15 ديسمبر 2021

الهوبيت -٢

الماء والنار:
قبل مضى وقت طويل استطاعوا ان يروا سموج يندفع نحوهم كشرارة من النار..
بين صراخ وعويل وصياح الرجال ولم يجده هناك.
كان الجسر قد اختفى واعداؤه كانوا على جزيرة في مياه عميقة.اعمق واكثر ظلمة وبرودة مما يحبذ. كان ليتصاعد منها بخار ودخان يكفيان لتغطية المنطقة كلها لايام عديدة. قفز من مكانه واندفع وابل من السهام السوداء لترطم بالقشور التي تغطي جسده
ضربة من ذيله قوضت دعائم احد البنايات حتى انهار.
لهب ﻻ ينطفئ اشتعل في كل حدب وصوب.
انقضاضة اخرى وبيت اخر يشتعل ويتهاوىوﻻ سهم اعاق سموج اكثر من لدغة ذبابة.
الملك نفسه فكر في الهرب بقاربه المطلي بالذهب. وكان ذلك هو امل التنين.. فليركبوا القوارب جميعا. سيستمتع بمطاردتهم. دعهم يحاولون الوصول الى اليابسة سيان. قريبا سيشعل كل الغابات الشاطئية بنار تخرج من فمه.
انطلق سهم احد الرماة لينغرس في صدر التنين وغاب سنه وقصبته وريشته السوداء داخل صدر الوحش بالكامل. بصرخة تصم اﻻذان سقط التنين وانقلب على ظهره كجلمود من الصخر سقط من علو.
صرخ سكان القرية جميعا: 
"يحي الرامي وتسقط ذكائب المال”.
وانتقل الهتاف من القريبين الى اﻻبعد حتى تردد صداه الشاطئ كله. 
"نريد بارد ملكا”.
وهنا نهض الملك على قدميه وتحدث بصوت عال:
"لماذا ينصب اللوم علي؟ اي ذنب ارتكبت يستحق عزلي؟ من الذي ايقظ التنين من مهجعه؟"
كانت نتيجة كلماته ان نسى القوم لفكرة الملك الجديد في الوقت الحالي تماما. واتجهت افكارهم الغاضبة نحو ثورين ورفاقه. وصاحوا وراحوا يهتفون:  
"ان اﻻقزام اطلقوا علينا التنين عمدا”.
***

حفلة طال انتظارها:
حفلة طال انتظارها يقيمها بيلبو باجنز العجوز للهوبيت، الذي على الرغم من انه احتفظ بالخاتم الذي كان يتمثل فيه امله الوحيد. فانه لم يستخدمه ليساعده في قتل ذلك المخلوق التعيس. وعن مغامرات بيلبو هناك الكثير يمكن ان يقال.
كان بيبلو غنيا جدا.. وقد دأب العامة على اﻻعتقاد ان التل في (باج اند) كان مليئا بالانفاق المحشوة بالكنوز. عندما كان عمر بيلبو 90 سنة تبنى الصبي فرودو باجنز واحضره ليعيش في باج اند وقال له "يا ابني تعال وعش معنا".
وبات مفهوما اﻻن ان هناك شئ ما غير عادي يتم التخطيط له. وكان عمر فرودو 33 وهو رقم مهم. كان بيلبو يجري احاديثه الطويلة في حانة اللبلاب على طريق مجاورة الماء. وكان مولعا باصنافه من الطعام وقدم طاولة طعام سخية في الليلة التي لقى فيها ودروجو وزوجته ابوي فرودو حتفهما غرقا في الماء. ارجع البعض السبب الى وزنه الثقيل مما سبب انقلاب القارب عند اول تمايل له.  وقال اخرون ﻻ بل زوجته كانت السبب، لقد دفعته الى الماء غدرا لكنه تشبث بها و سحبها وراءه، فغرقا اﻻثنين.
قال بيلبو مبتئسا: ليس عليك ان تنصت الى كل ما تسمعه يا فرودو.. ليس عليك الخوض في حديث الجذب والشد. ان القوارب خداعة تماما بما يكفي بالنسبة ﻻولئك الذي يجلسون في سكون.
على اية حال فقد ترك السيد فرودو وحيدا يتيما. سيعود ليعيش في باج اند. يبدو انه قد كبر في العمر. نتمنى له الصحة والسعادة ولكن السن له حكمه..
فجأة يقدم بيلبو وريثا له. وقد تمت جميع اﻻوراق بشكل صحيح وﻻ ينقص شيئا. 
قال جندلف: كم تبدو مشرقة حديقتك!
رد بيلبو "نعم. انني مغرم بها حقا".
امض اذن ايها الرفيق في خطتك.
انال متعة والفكاهة.
قال جندلف وهو يهز راسه"من الذي سيضحك؟”. انني اتساءل، "او ليس من يضحك اخيرا يضحك كثيرا!”
سوف نرى اذن!
اصبح الناس متحمسين لحضور الحفل، وبداوا يحسبون اﻻيام في الروزنامة.
وفي يوم الحفل كانت هناك اﻻغاني والرقصات والطعام واﻻلعاب النارية .. وكأن ربيعا يتفتح في لحظة وكان اﻻشجار يتساقط من على فروعها ورودا .. وفجأة انفجر صاروخا مولدا صوتا يصك اﻻزان.
نهض بيلبو وبدا يخطب في مدعويه:
"في واقع اﻻمر اريد ان احييكم على الفترة التي قضيتها معكم”. 
وهنا علت صيحات استحسان هائلة.
واستطرد:
"وثانية ﻻحتفل بعيد ميلادي".
علت صيحات مجددا!
"وثالثا واخيرا اود ان اعلن عليكم ..”.
ارتدى بيلبو بسرعة بعض الملابس غير المهندمة واخرج من درج مغلق معطفا بعدها ذهب الى غرفة مكتبه واخرج من صندوق خزنة كبيرة حزمة ملفوفة من قطع قماش قديمة ومخطوطة وظرفا كبيرا منتفخا ايضا. وحشر الكتاب اعلى حقيبة
وضعه في المعطف ولكنه اخرجه فجأة وحشره في جيب بنطاله.
"حذاري ان يغيب عن عينك فرودو!”
رد فرودو:
"سوف اضع عيني كلتاهما عليه. بقدر ما استطيع ان استغني عنهما.”
وضحك.
تصلب وجهه اللطيف وصاح: "ولم ﻻ؟ وما هو شأنك في ذلك. على اية حال انت تعرف ما افعل باشيائي الخاصة؟ انه يخصني وحدي". وتابع:
"انه يخصني وحدي. شيئ الثمين. نعم شيئ الثمين”.
ولم يكن سوى رجفة في عينيه الغائرتين اظهرت انه خائف بل مذعورا في واقع اﻻمر.
"حتى لو قال جوﻻم. الخاتم ﻻ يخصه. انه يخصني انا. وسوف احتفظ به
انت مدين لي. هيا تخل عنه. لتفعل مثل ما وعدت به.”.

رد بيلبو: "في الواقع انني اعطي الكثير من هدايا عيد الميلاد، اكثر بكثير مما يتوقعون..”
**
قال مشيرا الى الخاتم:
" ارجو اﻻ تستخدمه باي طريقة من شأنها ان تثير الشكوك. احتفظ به في امان. واحتفظ به سرا”.
"انت غامض جدا. ما الذي تخشاه؟"
"لست متاكدا. ولذلك لن اقول اكثر من ذلك.”
"سوف اغادر. صرت غير مرغوب فيه بعض الشئ. يقولون انني مصدر ازعاج للامن. بعض الناس في الواقع يتهمونني بخطف بيلبو واخفائه. او ما هو اسوأ. اذا كنت تريد ان تعرف، يقولون بان مؤامرة بيني وبينك للاستيلاء على ثروته”.
قال جندلف ملوحا بيده: 
"وداعا. وترقب حضوري خاصة في اﻻوقات غير المتوقعة. الى اللقاء”.

رواية الهوبيت

الهوبيت

رواية الهوبيت احد الكلاسيكيات الخالدة في اﻻدب الروائي في العالم. 
السنة: عام 1937 
المؤلف: ج. تولكين.

ملخص: 
"في حفرة باﻻرض ليست عطنة رطبة وليست رملية لا شئ فيها ولكنها حفرة للهوبيت وهذا يعني الراحة”.  الكلمات السابقة بدأ بها بيلبو باجنز تقديمه للهوبيت وهم كائنات اصغر حجما من البشر ، اقزام يمتلكون قوى خارقة بعض الشئ. الساحر جندلف و جوﻻم. تتعرف على خاتم ذو قوى خارقة و ..
هي واحدة من اهم الروايات في سلسلة تسمى "ملك الخواتم".
لم اكن انوي قراءة روايات فانتازي فهذا ليس مفضلا لدي، كما ان الشخصيات كثيرة.. ان تدور احداث في عالم خيالي او ارض خيالية وشخصيات غريبة كاقزام وجولان وهوبيت وجن .. هذا اعتبره ﻻ يناسب خيالي.
لكن الفيلم قد قدم الرواية بصورة مشهدية رائعة : الهوبيت، هذه الشخصيات الخيالية مع اﻻقزام والجن والغيلان والترول والصقور العملاقة وغيرها.. كل هذا اربكني.
ولكن احد الافلام في الاجزاء التالية جعلتني اعتقد ان الشخصيات لها عمق ممتد غير اﻻكشن ولها تاريخ ما ورائي.
قررت ان ادخل عالم اﻻرض الوسطى. وكم احب لفظة الوسطى، فخير الامور اوساطها! - فكرة الرحلة وطريقة تقديمها اعجبني. خريطة الرحلة بريشة تولكين نفسه في بداية الكتاب افادني.
لكن الملل اصابني في بعض اجزاء الرحلة. وربما هو مقصود لتشعر بما يعانيه البطل من الملل. فهو لم يكن يحلم اﻻ بفراشه الوثير.
مطاردة الغيلان للاقزام.
اشفق الراوي علينا من سرد ويلات الحرب اﻻخيرة وهذا من حسن حظي اني غبت عن الوعي مع بيلبو.
التنين سموج كان مرهبا حقا. وشخصية الرجل الدب "بورين" وحواره مع "جاندلف" كان طريفا. شخصية جاندلف محببة جدا فهي تمثل جزءا من شخصية تولكين نفسه.

اقتباسات:
“هل تتمنى لي صباحا سعيدا او انك تعني انه صباح سعيد بالفعل. سواء شئت انا او ابيت . او انك تشعر بالسعادة هذ الصباح، او انه صباح سعيد بالنسبة لك؟"
"عزيزي بليبو ماذا دهاك؟ لست الهوبيت الذي كنت اعرفه قبلا!
تاوه بيلبو حين تذكر ان اخر وجبة تناولها كانت امس. وقال :
" اشعر بجوع عظيم”. 
 لقد شعر بيلبو بفراغ تام وبلقلقة في معدته وبرعشة قوية في اوصاله. وفجأة انزلق و12 هوبيت انزلقوا معه جميعا.. واحتموا خلف اﻻشجار وسرعان ما انقضى اخر الخطر وتوقف اﻻنهيار الصخري. وجاء صوت تحطم اخر الصخور خافتا.
قال بيلبو:
"حسنا لقد اسرع هذا اﻻنزلاق تقدمنا وحتى الجوبلين الذين يتبعوننا سيواجهون مشقة ليهبطوا الى هنا”.
شعر اﻻقذام بالتعاسة وهم يفركون اقدامهم ويتفحصون مكان الرضوض والكدمات.
ولكنهم على اية حال تابعوا رحلتهم. في احيان كانوا يخوضون ادغاﻻ كثيفة من نباتات السرخس وفي احيان اخرى يخطون بهدوء على ارض مفروشة باوراق اشجار الصنوبر المدببة اﻻطراف.
سأل واحد من الهوبيت:
"احقا علينا اجتياز المزيد من اﻻميال؟ اشعر باهتزازات في معدتي كأنها جوال فارغ”.
رد بيلبو:
"نعم فقط القليل من اﻻميال!”.
تناهت الى اسمعهم صوت عواء. احد اخواله من ال توك كان رحالة عظيما وكان يقلد هذا الصوت احيانا ليخيف بلبو. حتى الخواتم السحرية ﻻ تفيد في مواجهة الذئاب. وخاصة تلك المجموعات الشريرة المتوحشة. لديها حاسة شمم قوية وليس بالضررة تراك لتقع فريسة لها.
"ماذا نفعل؟ نهرب من الجوبلين لنسقط فريسة للذئاب؟"
"اسرعوا تسلقوا اﻻشجار”.
وسريعا عثروا على اشجار بسرعة مناسبة . لم يتمكن ببلو من تسلق اية شجرة وظل يعدو من جذع الى اخر كارنب يطارده كلب صيد. مد دوري ذراعه لببلو في الوقت المنايسب قبل ان تنهش احد الذئاب عباءته. تركت الذئاب احدها كحارس اسفل الشجرة التي كان عليها دوري وببلو بينما تفرقت بقيتها واخذت تتشمم اﻻثار في اﻻرض حتى انتهت من تحديد جميع اﻻشجار التي تسلقها اﻻقزام ووضعت عليها حراسة كذلك. احيانا كان الجوبلين يمتطون الذئاب كما يمتطي البشر الجياد. تجمعت الذئاب في حلقة يتوسطها اضخمها. كان حديثهم اذ ان جاندلف يفهم لغتهم يدور حول ان جوبليين سوف يصلون الى هنا في اليوم التالي وهم قادرون على تسلق اﻻشجار.
واﻻن يمكنكم ان تفهموا سبب خوف جاندلف الشديد – رغم كونه ساحرا قديرا- فقد شعر ان موقفه وموقف رفاق سئ للغاية.
اخذ جاندلف احد اكواز الصنوبر واشعل به نارا والقاه في وسط الحلقة فاصاب زعيم لذئاب في انفه فاخذ يعدو ويعوي ويركض بشكل دائري ويعض في بقية الذئاب من شدة فزعه.
كرر جاندلف القاء كوزا مشتعلا ثانيا وثالثا. ومعروف عن الذئاب انها تخشى النيران. لكن تلك النيران كانت رهيبة وﻻ تشبه النيران المعتادة. واذا سقط لهيبها على فراء احد الذئاب كان يشتعل وان لم يسرع الذئب بالتدحرج على اﻻرض كان يزداد اشتعاﻻ وقد يحترق وخلال وقت قصير كنت ترى اﻻرض تعج بذئاب تعوي وتركض في كل اتجاه. بالطبع تسبب هذا في اشتعال فراء المزيد من الذئاب اﻻخرى. فقام بعضها بمطاردة الذئاب المشتعلة مما اضطرها للهرب الى اسفل المنحدرات وهي تعوي في الم اثناء بحثها عن مياه لتطفئ لهيب النار.
*
قال سيد النسور:”انني اسمع صوت عواء. هل يعيث الجوبليين فسادا في الغابة؟".
 ثم حلق عاليا وتبعاه اثنان من حرسه ومن ثم طافت الكثير منها في السماء ولم تكن تلك النسور تحب الجوبلين كما لم تكن تخشاهم. ويا له من مشهد! كانت امورا رهيبة تحدث على اﻻرض تحت السور المحلقة. الذئاب التي اشتعل فراءها وفرت اشعلت النيران ي اشجار الغابة في غير موضع.كان فصل الصيف في ذروته.

حينما وصلوا الجوبلين وضعوا خطة. جمعوا اﻻوراق الجافة حول جذوع اﻻشجار وتعمدوا اﻻ تنطفئ. تغرورقت عيا ببلو من الدموع من فرط كثاف الدخان.
واخذوا في الغناء:
"طير ايتها لعصافير ام انك تحبين ان نشويك في اعشاشك الصغيرة
غني”.
"لم ﻻ تغنين؟".
تسلق جاندلف حتى وصل الى اعلى الشجرة وقد احس بحرارة النيران. والوميض المفاجئ من عصاه كان ليبدو كالبرق. بينما هو يستعد للوثوب من الشجرة الى اﻻرض وسط رماح الجوبلين مباشرة. كان من الممكن ان تقوده تلك الوثبة الى نهايته، رغم انه كلان ليقتل الكثيرين. لكنه لم يفعل.
في تلك اللحظة التقطه سيد النسور وقبض عليه بمخالبه ثم طار بعيدا.
لقد نجا بلبو بياته في الوقت المناسب تماما بينما اخذت النسور اﻻقزام معها
*

استيقظ بيلبو حينما احس بخيوط اشعة الشمس تداعب جفنيه. صاح وهو يفرك عينيه:
"عزيزي بيبلو ماذا دهاك؟ لست الهوبيت الذي كنت اعرفه قبلا!”
لكن السيد باجنز حافظ على رباطة جأشه وقاوم افتتانه بالكنز اكثر من اﻻقزام. قبل مضي وقت طويل على تعب اﻻقزام من تفحص الكنز شعر هو بالسأم وجلس  على اﻻرض وبدا يتساءل في عصبية عن نهاية كل هذا. غمغم: 
“يمكنني التنازل عن..”
"نحن مسلحون . لكن هل كان ﻻي سلاح فائدة من قبل ضد سموج المرعب؟ نحن لم نسترد هذا الكنز بعد، فنحن ﻻ نبحث عن الذهب اﻻن بل عن طريق للفرار.
قال ثورين مستعيدا حصافته: 
"انا من سيدلكم على مكان الكنز.”.
"لن يحدث هذا قبل موت سموج اللعين".
***
عن رواية الهوبيت، تولكين

رواية اللص والكلاب

اللص والكلاب

رائعة من روائع نجيب محفوظ عميد الرواية العربية.
 يخرج سعيد من السجن ليصطدم بواقع كان السبب في دخوله السجن: زوجته التي خانته، وابنته التي سرق المال من اجل ان يؤمن حياة كريمة لها، واصدقاء خانوه وابلغوا عنه وهم اﻻن يعيشون في رغد بالمال الذي استولوا عليه.
يقابل سعيد الشيخ علي في احد المساجد في منطقة نائية بالمقطم. يحدثه سعيد عن رغبته في اﻻنتقام فيحدثه الشيخ عن ذكر الله وباب السماء، ويوفر له مبيت لليلة واحدة.
يقابل سعيد صيقا له هو علوان رؤوف. يطلب منه ايجاد عمل له، يتنكر له ولصداقته ولكنه يخرج حافظته ويمن عليه ببعض المال. 
يحاول ان يسطو على فيلا علوان ليسرق منها ماﻻ. ولكن يفتضح امره، ويهدده علوان بابلاغ الشرطة. ولكنه يعده اﻻ يعود ثانية.
يذهب الى المعلم طرزان ويطلب منه سلاحا. يعطيه المعلم ما طلب ولكنه ياخذ منه وعدا اﻻ يكون للغدر والشر.

**

الفصل اﻻول
مرة اخرى يتنفس نسيم الحرية، ولكن في الجو غبار خانق وحر ﻻ يطاق. وجد بانتظاره بدلته الزرقاء وحذاءه المطاط، وسواهما لم يجد في انتظاره احدا. ها هي الدنيا تعود اليه، وها هو باب السجن اﻻصم يبتعد منطويا على اﻻسرار اليائسة. هذه الطرقات المثقلة بالشمس وهذه السيارات المجنونة والعابرون والجالسون والبيوت والمحلات.
نبوية عليش، كيف انقلب اﻻسمان اسما واحدا. لعلكما تترقبان في حذر. سانقض عليكما في الوقت المناسب كالقدر.
وسناء اذا خطرت في النفس انجاب عنها الحر والغبار والبغضاء والكدر. وسطع الحنان فيها كالنقاء غب المطر.  ماذا تعرف الصغيرة سناء عن ابيها؟ .. ﻻ شئ. طوال اربعة اعوام السجن لم تغب عن باله.
جاءكم من يغوص في الماء كالسمكة ويطير في الهواء كالصقر ويتسلق الجدران كالفار وينفذ من اﻻبواب كالرصاص.
وتنهد يقول: نت خلال هذا الكدر ﻻ يبسم اﻻ وجهك يا سناء!
جاءه صوت من خلف:
سعيد مهران.. الف نهار ابيض.
توقف عن المسير حتى ادركه الرجل فتصافحا وهما يغطيان على انفعاﻻتهما الحقيقية بابتسامة باهتة. اذن بات للوغد اعوان، وسيرى قريبا ما وراء هذا اﻻستقبال، ولعلك تنظر من الشيش متخفيا كالنساء يا عليش.
وسرعان ما وجد نفسه مطوقا من كل الجهات بحشد من اﻻصدقاء.
وتازم الجو بالصمت وتبودلت نظرات قلقة حتى عاد عليش يقول وكانما اراد فتح صفحة جديدة:
ﻻ يعيب الرجل اﻻ العيب. ما فات قد فات.
فقال المخبر بضجر:
ادخلوا الى الموضوع واعفونا من اللف.
فتساءل سعيد:
من اي ناحية؟
ناحية واحدة هي التي يجوز فيها الكلام وهي ابنتك؟
وزوجتي واموالي.
بنتك في الحفظ والصون، مع امها، وقانونا يجب ان تبقى مع امها ستة اعوام.
واموالي؟
وﻻ مليم! فتساءل سعيد في تحد:
خبرني كيف امكنك ان تعيش في سعة؟
فصاح عليش محتدا:
هل انت ربنا حتى تحاسبني؟
وقال رجل:
اخز الشيطان يا سعيد..
وقال المخبر:
اخز الشيطان يا سعيد. هاتوا امها.
وعندما ترامى وقع اﻻقدام خفق قلب سعيد خفقة موجعة وتطلع الى الباب.. وتبدت في فستان ابيض انيق. تطلعت الفتاة في الحاضرين بوجه اسمر وشعر اسود مسبسب فوق الجبين فالتهمتها روحه. لم ينزع منها عينيه ولكن فلبه انكسر حتى لم يبق فيه سوى شعور بالضياع.
كانها ليست بابنته. رغم اﻻنف المحدب والعينين النجﻻوين ونداء الدم والروح؟ 
ابوك يا شاطرة.
سلمي على ابوك.
ومد يده نحوها ولكنه بدل الكلام شرق فازدرد ريقه.
ﻻبد ان تعود الي.
كما قلت اول اﻻمر. بقرار من المحكمة.
فقال عليش:
اﻻمر ﻻ يخصني. القرار للقاضي
وشعر سعيد انه لو تمادى في الغضب ﻻنفجر جنونه.
نعم المحكمة.
وقال المخبر في لهجة لم تخل من سخرية:
ابحث اوﻻ عن عمل مستقيم تاكل منه لقمتك…
*
الفصل الثاني

نظر الى الباب المفتوح، المفتوح دائما كما عهده من اقصى الزمن، وهو يقترب منه ضاربا في طريق الجبل. مثوى ذكريات في حي الدراسة ..
تبادل والشيخ التحية.
 انت لم ترني منذ عشرة اعوام وفي تلك الفترة حدثت امورا غريبة. لعلك سمعت عنها من بعض مريديك.
ﻻنني اسمع كثيرا. ﻻ اكاد اسمع شيئا..
على اي حال ﻻ اريد ان اتنكر. لقد خرجت اليوم من السجن.
فهز راسه في بطء وهو يفتح عينيه قائلا فيما يشبه اﻻسى:
انت لم تخرج من السجن
فابتسم سعيد. كلمات العهد القديم تتردد من جديد. حيث لكل لفظ معنى غير معناه. وقال:
يا شيخ كل سجن يهون غير سجن الحكومة..
غمغم الشيخ
قال سعيد" انكرتني ابنتي ، وجفلت مني كأني شيطان، ومن قبلها خانتني امها.
فعاد الشيخ يقول برقة: خذ واقرأ. 
لكن افكاره لا تقبل ان تهدأ.
ترى كيف انت اليوم يا رؤوف؟ هل تغير مثلك يا نبوية. هل ينكرني مثلك يا سناء؟ رؤوف انت لغز وعلى اللغز ان يتكلم، اليس غريبا ان يكون علوان على وزن مهران؟ وان يمتلك عليش تعبي كله بلعبة كلاب؟
***

الفصل الثالث

وثب من مكانه وهرول عندما توقفت سيارة امام الفيلا. فهتف بصوته الغليظ القوي:
استاذ رؤوف.. انا سعيد مهران!
وجاء الخادم يدفع امامه نضدا. وراح يملأ بنفسه كأسين..
في صحة الحرية.
وافرغ سعيد كأسه دفعة واحدة في حين تناول رؤوف رشفة وسأل:
وكيف حال ابنتك؟
انكرتني ابنتي.. 
وملا سعيد كأسا اخر دون استئذان، فقال رؤوف:
حكاية مؤسفة، اما ابنتك فمعذورة، انها ﻻ تتذكرك. سوف تحبك.
لم اعد اثق في جنس حواء كله.
هكذا انت اﻻن، اما غدا فمن يدري؟ ستغير رأيك بنفسك، وهكذا هو حال الدنيا..
ورن جرس التليفون.. وسرعان ما على وجهه ابتسامة عريضة. ومضى لى الفراندا. تابعه سعيد من اول اﻻمر بعينيه الحادتين.. لا شك انها امراة؟ هذه اﻻبتسامة وهذا التخفي ﻻ تكون اﻻ ﻻمرأة..
ومضى سعيد يتناول الوان الطعام بشهية. وحانت نه نظرة الى صاحبه فابتسم هذا بسرعة ليغطي على نظرة امتعاض!. انت مجنون ان تصورت انه يرحب بك من قلبه. ما هي اﻻ مجاملة بنت حياء. ولن يلبث ان يتبخر هذا الحياة. يا للفراغ الذي سيلتهم الدنيا.
يا عم سعيد زال تماما جميع ما كان ينغص علينا صفو الحياة.
فقال سعيد من فم مكتظ بالطعام:
من كان يحلم بهذا؟
ﻻ حرب اﻻن
لتكن هدنة! ولكل جهاد ميدان..
وجال بنظره :
وهذا البهو الرائع كالميدان..
واسف في قلبه على افلات هذه الملاحظة ولمح في عيني نظرة باردة. وتساءل رؤوف:
اي وجه شبه بين البهو والميدان؟
فزاغ قائلا:
اقصد انه مثال الذوق الرفيع.
فضيق رؤوف عينيه امتعاضا وقال بسخط:
المراوغة ﻻ طائل منها. افصح عما بنفسك. انا افهمك وانت تعرف ذلك.
فضحك سعيد مترددا:
لم اقصد سوءا على اﻻطلاق..
يجب ان تعرف انني اعيش بكدي.
هذا ﻻ اشك فيه مطلقا. بالله ﻻ تغضب هكذا..
عند ذلك قال رؤوف:
هل فكرت في المستقبل؟
فقال سعيد:
لم يسمح الماضي بعد بالتفكير في المستقبل..
يخيل الي ان النساء اكثر عددا من الرجال. فلا تكترث لخيانة امراة ، .. وابنتك سوف تعرفك وتحبك. عليك ان تجد عملا قبلا
اذا علي ان اجد عملا حقيرا.
ﻻ عمل حقير ما دام شريفا..
وبسرعة جرى بعينيه في البهو اﻻنيق ثم قال فيما يشبه التحدي:
ما اجمل ان ينصحنا اﻻغنياء بالفقر.
فنظر في ساعته.
فنهض سعيد وقال:
اعرف انني اخذت من وقتك كثيرا.
واخرج رؤوف حافظة نقوده واعطاه منها ورقتين من فئة الخمسة جنيهات.
فتناول الجنيهات باسما ثم قال بنبرة رجاء:
ربنا يتم نعمته عليك..

*
الفصل الرابع 

وفكر في نفسه: "سعيد، انت ﻻ تخدع بالمظاهر فالكلام الطيب مكر واﻻبتسامة شفة تتقلص  والكرم حركة دفاع من انامل اليد. ترى اتقر بخيانتك يا علوان ولو بينك وبين نفسك ام خدعتها كما حاولت خداع اﻻخرين؟ اﻻ يستيقظ ضميرك ولو في الظلام؟ اود ان انفذ الى ذاتك كما نفذت الى بيتك، ولكني لن اجد اﻻ الخيانة. ساجد نبوية في ثياب رؤوف او رؤوف في ثياب نبوية او عليش سدرة في مكانهما وستعترف لي الخيانة انها اسمج رذيلة فوق اﻻرض. 
هكذا وجدت نفسي محصورا في عطفة الصيرفي ولم يكن الجن نفسه يستطيع ان يحاصرني. عندما افرغ من تاديب اﻻوغاد فساجد في اﻻرض متسعا للاختفاء. هل يمكن ان امضي في الحياة بدون ماض فانسى نبوية وعليش ورؤوف؟ لو استطعت لكنت اخف وزنا واضمن للراحة وابعد عن حبل المشنقة ولكن هيهات ان يطيب العيش اﻻ بتصفية الحساب. لن انسى الماضي لسبب بسيط هو انه حاضر – ﻻ ماض – في نفسي. وستكون مغامرة الليلة خير ابتداء افتتح به العمل.
وجرى الليل كامواج من الظلام تنغرس في جنباتها اسهم من ضياء تنعكس من مصابيح الشاطئ. وساد صمت شامل مريح واقترب الفجر فتمطى وسار بمحاذاة لشاطئ الى القصر.. يا رؤوف تلميذك قادم ليحمل عنك بعض متاع الدنيا. وتسلق السور بخفة وباطراف وبحنكة كانها اطراف قرد ولم تعقه اﻻغصان الكثيفة الملتفة. دلف الى داخل في الظلام . وبغتة دهمه نور ساطع من كل ناحية. انغلق جفناه بلا ارادة ولما فتحهما راى رؤوف في روب طويل بدا فيه عملاقا ويده مدسوسة في جيبه مشدودة تحمل سلاحا، هكذا ظنه. ونظرة عينيه زادت قلبه المهزوم برودة. والصمت القاتل اثق من سور السجن، والسجان عبد ربه سيقول هازئا، ما اسرع ان ارجعت.
سوف اسلمك الى البوليس.
اعذرني، ما زلت اعيش بعقلية السجن وما قبله..
ﻻ عذر لك، انا اقرا افكارك،، قرات كل جملة مرت بعقلك، كل جملة، الصورة الكاملة التي تتصورني فيها، وﻻن ان لي ان اسلمك للبوليس..
فمد يده كالرجاء قائلا:
كلا..
اﻻ تستحقه؟
بلى ولكن..
فنفخ غاضبا وقال:
ان رايتك مرة اخرى فساسحقك كحشرة..

***

الفصل الخامس

في القهوة تناول سعيد قدح الشاي ثم رفعه الى فيه وراح يرشف قبل ان يبرد. ومال نحو المعلم طرزان وقال:
كيف حال الشغل.
تنابلة كانهم موظفو الحكومة…
التنبل على اي حال خير من الخائن، بسبب خائن دخلت السجن.
يا لطف الله!
الماساة الحقيقية هي ان صديقنا هو عدونا ..
اريد سلاحا ولكن اعذرني ليس ..
ما عاش من احوجك الى اﻻعتذار.
المسدس خير من الرغيف ومن حلقة الذكر. 
سعيد ماذا يعوزك؟ المسدس يتكفل بالماضي والكتب بالمستقبل.
وانت طالب هل امتدت يدك للسرقة حقا؟ وضحك: كي يتخفف المغتصبون من بعض ذنبهم، انه عمل مشروع يا سعيد، ﻻ تشك في ذلك". 
لعلعت في الخارج ضحكة انثوية.
نور.. لتات لترى ماذا فعل الزمان بها. التي عبثا ارادت امتلاك قلبك. قلبك الذي كان ملكا خالصا للخائنة. وليس اقسى على القلب من ان يروم قلبا اصم. حتى هداياها كان يهديها الى نبوية عليش. 
ضحك ثم قال:
سياتي صاحبك لياخذك..
فقالت: انه ﻻ يعرف راسه من رجليه.
على اي حال انت مقيدة.
فرمته بنظرة ماكرة وهي تتساءل:
اتحب ان ادفنه في الرمال؟
من؟
ابن صاحب مصنع الحلوى.
ليس الليلة. ﻻ احب اصحاب المصانع.
الحقيقة انت ﻻ تحب احدا.



21 سبتمبر 2021

رسائل خربر

رسائل خربر هي رواية ساخرة قصد بها س اس لويس ايصال بعض الحقائق الدينية عن ماهية الشيطان ووسائل اغوائه للبشر. الرسائل موجهة من شيطان يدعى سكروتيب او خربر حسب الترجمة العربية الى شيطان اصغر منه واقل خبرة يدعى وودورم او علقم. فيما يلي بعض الفقرات وجدتها نافعة لايصال مضمون الرواية:

يقول سكروتيب:
“من المخيب للامال ان اتوقع تقريرا مفصلا منك فاتلقى عوضا عن ذلك قطعة انشائية انفعالية نظير رسالتك اﻻخيرة. تقول انك "منفعل من الفرح" ﻻن حربا نشبت (يقصد الحرب العالمية الثانية).. ان الحرب مسلية بالطبع. فاﻻهوال ومعاناة اﻻدميين انعاش شرعي ومبهج لعشرات اﻻلوف من خدامنا الناشطين. ولكن اي نفع دائم تعود به علينا؟ فعندما ارى المعاناة الوقنية لدى اﻻدميين الذين يفلتون من ايدينا اخيرا، اشعر كما لو سمح لي ان اتذوق اول طبق من وليمة فاخرة ثم حرمت الباقي. وهذا اسوأ من عدم تذوقها على اﻻطلاق".
ويستطرد:
"عليك ان تقدم في رسالتك التالية خبرا كاملا عن رد فعل المريض تجاه الحرب، .. بجعله وطنيا متطرفا او ﻻعنفيا متحمسا، فلدينا في الحرب واتجاهها احتماﻻت من كل نوع".

“انا اعلم ان بعض اعوانك الصغار قد راوا في معاناة الحرب فرصة عظيمة لزعزعة اﻻيمان في قلوب بعض اﻻدميين. ولكنني اعتقد ان تلك النظرة قد ضخمت. فان تصريحات رجال الدين قد غشيت عقولهم ان اﻻلم جزء جوهري مما يدعونه "الفداء". وعليه فانه يمكنك ان تقتنص ضحيتك حين يكون عقله معلقا بشكل وقتي فقط، وليس بصفة مستديمة".

وفي الرسالة 6 يتحدث عن اسلوب اخر هو التشتيت:
“نحن نريد لذبونك ان يزخر ذهنه بصورة متضاربة عن المستقبل – اﻻمل والخوف. وليس شئ مثل الترقب يذهل فكر اﻻنسان عنه (الله). فهو يريد للناس ان يعنوا بما يعملونه، في حين ان عملنا هو ان نشغل اذهانهم بما سوف يحدث لهم (القلق الزائد).
تصبح السيطرة على اﻻدمي اسهل ان كان ذهنه منصرفا عن الغرض الذي يخاف منه الى الخوف ذاته.
في وسعك ان تشجع مريضك ، في كربه، على اﻻنتقام لنفسه ببعض المشاعر الثارية الموجهة نحو الزعماء والساسة (التي لا تروق لهم سياستهم) .. غير انه غالبا ما يكون نوعا من البغضة الميلودرامية المتكلفة التي يصعب تطبيقها عمليا، منصبا على كباش فداء وهميين.

“ان اﻻمر العظيم هو ان تصب خريته في المحيط اﻻبعد، الى اشخاص ﻻ يعرفهم، وهكذا يصير الحقد حقيقيا على نحو كلي، والخير وهمي الى ابعد حد. فلا جدوى البتة في اضرام حقده على اعداء وهميين!
فلا تكون الفضائل مهلكة لنا حقا اﻻ بعد ان تتركز حقا في عادات نمارسها من خلال اﻻرادة.

وفي الرسالة  7 يتحدث عن حيلة أخرى هي التشكبك ومن ثم انكار العالم الروحي, فالكاتب ينبر على وضع اﻻيمان في موضعه الصحيح، فخدمة القضايا اﻻنسانية جزء من اﻻيمان والحياة المسيحية وليس العكس. فمن يستخدم الدين لخدمة قضاياه فقط يكون قد جعله وسيلة للمنفعة الشخصية. يقول على لسان خربر:
“فهل لك ان تجرب ان توقع ذلك الادمي ضحيتك في ازمة عاطفية ، مشوشة مفاجئة، قد يخرج منها كمتدين مضطرب الى الوطنية المغالية.   
دعه تحت تاثير روح التحزب ، يحسب الوطنية او اللاعنفية الجزء اﻻهم. ثم تعهده بروية للمرحلة التي فيها يصير الدين مجرد جزء من القضية. فما ان تتمكن من جعل اﻻيمان كوسيلة والعالم الحاضر غاية حتى تكون قد كسبت زبونك تماما. وقليل هو الفرق بين الغايات الدنيوية – فاذا ما كانت اﻻجتماعات واﻻوراق والسياسات والقضايا والحملات تهمه اكثر من الصلوات وباقي اﻻعمال الروحية قهو لنا. وكلما كان متدينا بمقتضى هذه الشروط كان امتلاكنا له اضمن وأمن.

24 أغسطس 2021

رواية: قاين

سجد ادم على راس عصاه وقال:
تعبت يا ابي في غربتي الردية، ولم اجد راحة لروحي فيها بعيدا عنك. هل ان الاوان؟ هل من نهاية لوجعي؟ هل تعود يداك اللتان جبلتاني لتحتضناني..؟
قال هذا وبكى.... حتى امتلات عيناه بدمع كنبع ماء غائر.
خيل اليه ان اصابع حواء الحانية امتدت لتمسح دموعه، كما اعتاد، فتح عينه ليجدها في نوم عميق.. غابت الاصابع .. ووجد رجلا واقفا قبالته، ممسكا في يده باداة مثل تلك التي كان يستعملها في الحصاد.. نظر ف عينه، واراد ان يساله من انت.. لكنه صمت حين راى دموعا فاضت من عينيه .. وهو ينحني عليه قائلا:
هل سيدي مستعد للرحيل؟
علم ادم بالامر.. فقال له:
غبت كثيرا..!
قال الرجل:
لا يقطف الثمر قبل اوانه.
قال له ادم:
الشجرة ماتت يوم ان نقلت خارج الجنة (يقصد نفسه).
اجابه الرجل:
قد لا تعود الاشجار الى الوراء ولكنها ترحل ثانية نحو الارض بشكل مختلف..
سكت قليلا ثم اضاف:
بقى الكثير من الشجرة هناك.. حتى بعد ان نقلت.. امامك ترحال اخر حتى تلتقي باصولك.
قال ادم بصوت اسيف وهو يشعر بصقيع يغشى رجليه:
كنت اظنها الرحلة الاخيرة.
اجاب الرجل:
هي فعلا الاخيرة في هذه الدورة.
شعر ادم بان رجلاه فقدتا من احساسه فقال:
ما هو الموت؟
نظر اليه قليلا في صمت:
هذا يتوقف دائما على مفهوم الحياة لديك.
ساله ادم:
هل اكمل الترحال معك؟
اجاب:
الى اي مدى يمكنك ان ترحل مع نفسك.. 
كان ادم يضم كفيه فوق بعضهما، مقاومة لذة شديدة ، لها وقع شبه الاغماءة على نفسه.. او كانه في حلم، لا يريد الاستيقاظ منه.
مالت الشمس ناحية الغروب، خارج الكهف. نظرها ادم وكانه يودعها .. ثم القى نظرة اخيرة على حواء ، مال عليها بحنو بالغ، طبع قبلة حارة ومعها الكثير من الدمع على راسها.. همس في اذنها وهي نائمة:
لا تتاخري عني..
قال هذا واطلق عينه في الشمس الذهبية، حيث خيل له ..

**
الوجه الساقط
نظر شيث الى اخيه متفحصا بعين تملؤها الدهشة.. لا يعرف لماذا ثبّت عيناه على يدي قايين، الذي ما ان لاحظ ذلك حتى دسهما داخل الفراء الجلدي الذي توشح به، وكانه كان يخفي شيئا ما، وتحرك، ومن حوله عشيرته، بعد ان عانق امه طويلا وبكيا معا، كانت هناك نغمة في بكائه تتجاوز حدث موت ابيه، الذي جاء خصيصا للمشاركة في مراسم دفنه، وهكذا كانت دموع حواء وهي تنظر من فوق كتف ابنها وكانما اتفقا ان ينظرا في وقت واحد الى قبر ادم المدفون توا، وبنفس الاتفاق التقت عيناهما بعيني شيث الواقف عن كثب في توقع لشئ من نحو اخيه لا يدر به.
تقدم شيث منجذبا اليه وبعد عناق حار اجهشا خلاله ببكاء مر غطى مع الوجوه خيبات ماض ملؤه الاغتراب والتيه والمعاناة.
كان يعلم بمجئ قايين بعد ان اخبرته امه بان حنوك الشاب ياتي كثيرا للاطمئنان على صحة جده ادم، خاصة في ايامه الاخيرة، واخبرته بانها رته خارجا في اخر مرة وبصحبته رجل يغطي وجهه، علمت من قامته ومشيته انه قايين ابنها الهارب المطرود..
تلفت قايين ثم نزل على ركبته ومرر يده على نقش ما في جدار قديم، كان النقش لسلة فاكهة يحملها احدهم.. ثمة كشط وتشويه الجدارية عمدا .. كان ذلك بيده هو في لحظة غضبه. كانت لحظة مصيرية في حياته. 
تحركت احشاء حواء بوجع، حين رات في وجه قايين بقايا ملامح اخيه هابيل، متذكرة حلما رات فيه قبل الحادثة دماء هابيل تندفق من فم قايين، وقايين يبتلعها كلها بالرغم من توسلات هابيل .. 
***
... قال قايين:
انا بنفسي سالت ابي اكثر من مرة، هل سبق ان رايت الحية؟ فقال لا.. لم ارها ولا مرة..
وسالته: هل قال لك الرب تزوج؟ فاجاب بالنفي قائلا: 
- هو احضر حواء لي ولكنه وللحق – ترك امر الزواج لاختيارنا ككل الاشياء..
اومات حواء لواحدة من كناتها بمتابعة ما يطبخ في القدر المعلق، ولاخرى باخذ مياه ساخنة من قدر اخر لزوجة حفيدها.
بينما كان قايين يميل بوجهه ناحية اخيه مدمدما بلهجة ساخرة: من عند الرب!
فالتفت شيث ناحية قايين الذي اكمل ، اذا صحت رواية الحية على فم امنا، لماذا لم تصح رواية انني من عند الرب.. واكون انا الذي يسحق راس الحية..؟
فهم بعضهم اشارته لقتل هابيل، وشحبت بعض الوجوه.. ووجم الكل ، قال عيراد حفيده:
لماذا لم نعد للفردوس يا جدي لو صح ما ذهبت اليه.. وانتهت قصة السقوط والمعاناة بالنسبة لنا؟
اه.. يا لفردوس لم نراه.. وربما لن يرى!
قالها قايين بمرارة واكمل:
ولدنا مطرودين .. ثم انعزلنا..
***
قال قايين وهو يشيح بجسده وعينه عن شيث:
ان كنت تقول هذا لتهدئني فانت مخطئ!
صمت قايين ثم قال بصوت متهدج:
انا احبه مثلكم لم ارد ان اقتل اخي . ولم ارد الابتعاد والتغرب عنكم.. صدقني! كل ما اردته في حياتي اجد نفسي افعل غيره تماما..
ملعون انا قبل ان تلعنني الارض- لعنة تدفعني لهوة مظلمة. لا اريدها لكنني اشتاق اليها شوق من يريد الاختباء فيها من الحياة معه. تلك الحياة التي لم ستطعها ولم اطيقها. انا اهرب من نفسي، لا من وجهه.. وجهه الذي اشتاق اليه والذي لا اطيقه في ان واحد.
اختنق صوته وهو يقول:
انت شبعت من ابيك وبه . وانا حرمت من ابي ومنكم. للدرجة التي فيها كرهت كلمة اب. احيانا كثيرة انتهر ابنائي حين ينطقون بها.
ادعوني قايين فقط.. نعم اسمى الذي كرهته لانه ايضا يربطني به.

موضوعات ذات صلة: