‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصاصات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصاصات. إظهار كافة الرسائل

11 يونيو 2022

حكاية فنان




قال "أغسطس بوكوسيل " وهو يبتسم من سريره للرجل الضخم الذي وصل سرا ً عندما كان نائماً: "أنا أعتقد أنك الطبيب، وإنه لعطف منك أن تأتي. إلا أنني لا أعتقد أنه بإمكانك مساعدتي، وعلي كل حال، وبما أنك هنا، فسوف أخبرك عما أصابني. إنني فنان أقوم برسم بعض الصور و الرسومات..."
"ولكن..................."



" ضحك" أغسطس بوكوسيل " بمرارة وقال: "ستقول لي أنك لا تهتم بقصة حياتي؛ فإنك أحد العامة الذين لا يبالون – وليس من الأهمية لك – لو أن شاباً ماهر أُخذ إلي السرير في ريعان شبابه، ولم يقم منه أبداً. لكني أفترض أنك أُرسلت إلي هنا عن طريق أحد الأصدقاء، والذين يسمون خطأ بالمتدخلين في شئون الغير، وذلك لكي تنقذني مما أعاني لذا فإنه يتحتم علي أن أشرح لك مرضي، فإنك لا تستطيع أن تفهم مرضي إلا إذا قصصت عليك قصه حياتي."


"ولكن..................."


"لقد نشأت في حياة مرفهة، وسرعان ما أتضح أنني لست طفلاً عادياً؛ ففي السابعة من عمري حصلت علي جائزة لرسم حيوان، وسوف نتناسى حقيقة أنني قصدت برسمي أن أصور غروب الشمس فوق لندن.وبعد ذلك، زودني والداي الفخوران بي بالمزيد من أقلام الرصاص، والأوراق، وأعطوني فرصة الدراسة علي يد أعظم الرسامين. " "وفي الحادية والعشرين من عمري بدأت عملي كرسام للناس، ولقد رسمت احدي عشر صورة لوجهي، وكان يبدو أنه لا يرغب فيهم أحد، ولو أنك دخلت إلي حجرتي، لوجدت أنهم معلقين بطريقة بائسة علي الحائط، وكأنهم ينظرون إلي ذلك الكرسي الحالي، والذي لن أجلس عليه مرة أخري، لأنني واثق أنني لن أنهض من هذا السرير أبداً....."


"ولم يأت أحد من الناس لرسم صورهم، ولم يعد لدي أدني رغبة في رسم مزيداً من الصور لنفسي، وعلي الرغم من أن ذلك قد يبدو أمر مستحيلاً إلا أن الرسم لم يعد يمثل مصدر سعادة حقيقة بالنسبة لي، وذلك بعد انتهائي من رسم الصورة الحادية عشرة، وهذا يثبت أن الإنسان يمكن أن يمل حتى من أعظم أنواع الجمال الرائع..."


"ولكن......................."



" هل يمكنني أن أشير إلي أن هناك تكراراً معيناً في ملاحظاتك ؟ دعني أُكمل، وبعد ذلك تستطيع أن تقول:- لكن - كما يحلو لك. لقد تحولت من رسم الناس إلي رسم القرية، حيث رسمت المنظر الذي يطل عليه الشباك الخلفي تسع مرات، والمنظر الذي يطل عليه الشباك الأمامي سبع مرات.
ولكن هل استطعت أن أبيع السبع صور الخاصة بالمنظر الذي يطل علي الشباك الأمامي، أو التسع صور الخاصة بالمنظر الذي يطل عليه الشباك الخلفي ؟ كلا! لم أستطع." ولم يتبقى معي إلا قدرا ضئيلاً من المال. لذا؛ فقد قررت بعد صراع مرير مع نفسي، أن أنسي روحي، وأن أرسم من أجل المال، وعزمت علي أن أرسم الصور الفكاهيه لبعض الصحف، وتذكر أنني كنت بلا أمل، بل وجائع تقريباً، لذا فلا تفكر في بكل هذه القسوة..."


"ولكن............................"


" أنا أعرف أنك ستقول أنه لو كان لدي روح الفنان الحقيقية، لفضلت أن أموت بدلاًً من أن أفعل ذلك؛ لكن تذكر أن زوجتي وأولادي كانوا يصرخون من أجل الخبز، أو أنهم كانوا سيصرخون من أجله لو أن لدي زوجة وأطفال، وهل كان ذلك خطأي أنه لم يكن لدي زوجة وأطفالاً صغاراً ؟ لذلك فقد كنت أرسم ثلاثين أو أربعين صورة مضحكة كل يوم ، وأرسلها إلي الصحف . لكن سرعان ما اكتشفت أن بيع الإنسان لروحه من أجل المال ليس أمراً سهلاً كما يبدو، وصدق أو لا تصدق أنني لم أحصل علي أي أموال، لكن كل ما حصلت عليه أنني استعدت لوحاتي....."


"ولكن........................"


" ربما تسألني لماذا رُدت إلي صوري، إنني لا أستطيع أن أخبرك؛ فلقد كنت أقيسهم علي قط عندي، وغالبا ً ما كنت أسمع التعبير "مضحكين بما يكفي أن يضحكوا قط ". ولذلك فقد كنت أضعهم في صف، وأحمل القط أمامهم، فضحك حتى مَرِضَ......فلقد كان مريضا علي أية حال. "


وعندئذ أصبحت محبطا أكثر وأكثر. ولقد حاولت برسم الإعلانات، والملابس، وأجهزة البيانو، والزجاجات، وأن أقوم برسم سيدات طويلات القامة ذوات ابتسامات حمقاوات، وكنت أرسلهم بالمئات. وكان كل ما تلقيته مقابل ذلك هو: نموذج لزجاجة أو اثنتين، وعينه لممشطه صوف، ولقد توقعت أن أحصل علي عينة لامرأة طويلة ذات ابتسامة حمقاء، لكن ربما تكون قد فقدت في البريد... "


"ولكن...................................."



" لذا فلقد أقلعت عن المقاومة، وتحطم قلبي، وصممت أن أُحمل إلي سريري، ولا أقوم منه أبدا ً. لن تستطيع مساعدتى أيها الطبيب. ولن تفيدنى أى مهارة من مهاراتك. أنا متأكد أننى لن أنهض من هذا الفراش أبداً..."
فقال الغريب وهو يضع " أوجستس بوكويسيل " علي السجادة بحرص: "وأنا واثق أنك سوف تنهض؛ لأنني قد جئت لكي آخذ السرير؛ فأنا من محل الأثاث، والسرير لم يسدد ثمنه. "


AN ARTIST'S STORY " GEORGE SHEFFIELD "

26 مارس 2022

رواية ١٩٨٤



اسم الرواية 1948
تاليف: جورج اورويل
يبدا الكاتب بوصف مكان وتاريخ وقوع اﻻحداث . المكان بلد تخضع للحكم الشمولي، والزمان ، ابان الحقبة الشيوعية. لقد صور ببراعة مدى الخوف من الرقابة الصارمة لنظام الحكم الذي قام على اربع وزارة وجاءت تسمياتها مناقضة لما تؤديه من مهام: وزارة الحقيقة، السلم، الحب، واخيرا الوفرة.
مشهد اﻻفتتاحية يصور لنا بطل القصة ونستون وهو يعود الى شقته بعد انتهاء يوم العمل، يجلس الى منضدة ويبدا في تدوين يومياته. 
لم يكن ذلك غير مشروع ﻻن القوانين ما عادت موجودة اصلا، لكن كان من المحتمل الظن ان عقوبة ذلك ، ان اكتشف، هي الموت او اﻻشغال الشاقة المؤبدة على اقل تقدير. كانت الكتابة على الورق فعلا حاسما.
ثم يصف المؤلف الدافع "لمن عساه يكتب هذه المذكرات؟ خطر هذا السؤال على باله على نحو مفاجئ! من اجل المستقبل من اجل الذين لم يولدوا بعد!.
اقتباس:
جلس بعض الوقت محدقا في الصفحة امامه ببلادة. ولم يكن من الغريب انه نسى القدرة على التعبير عن نفسه بل ايضا نسى ما كان يعتزم كتابته في اﻻصل. لقد انفق اﻻسابيع الماضية في اﻻستعداد لهذه اللحظة. ولم يخطر في باله ابدا انه سوف يحتاج الى شئ ، عدا الشجاعة! اما الكتابة نفسها فسوف تكون سهلة. لم يكن عليه اﻻ ان ينقل الى الورق ذلك الحوار المضطرب مع النفس المستمر من غير نهاية، الذي يجري في راسه منذ سبعة سنوات.. لكن ذهن نضب في هذه اللحظة حتى من ذلك الحوار..
مضت الثواني تباعا. وما كان واعيا ﻻي شئ، اﻻ ذلك الفراغ على الصفحة امامه، .. وعلى نحو مفاجئ وجد نفسه يكتب وقد تملكه شجاعة مستميتة. فحين تسد اﻻبواب ﻻ يبق اﻻ اﻻصطدام بالجدار ومحاولة فتح ثغرة فيه.
.. 
وتوقف فجاة عن الكتابة جزئيا ﻻن غصة منعته. لم يكن يعرف الشئ الذي جعله يصب هذه الكلمات. لكن اﻻمر الغريب هو ان ذكرى مختلفة تماما انجلت في ذهنه بينما كان يفعل ذلك.. انجلت الى درجة ان خالها مكتوبة امامه. كانت هذه الحادثة هي التي جعلته..
عيناه عادت تحدقان الى الورقة امامه. واكتشف انه بينما كان يجلبس مستغرقا في التامل كان يكتب ايضا .. وكان ذلك فعلا ﻻ ارادي.. لقد انساب القلم رشيقا فوق الورق الصقيل فكتب بحروف انيقة:
احبك .. احبك.. كتبها حتى ملا بها نصف صفحة..
شعر باغراء تمزيق الصفحة..
لكنه لم يفعل.. ﻻنه يعرف انه سواء تابع كتابة هذه المذكرات او ﻻ فلا فرق ايضا. 
استند بظهره الى كرسيه وهو يشعر ببعض الخجل من نفسه. وفي اللحظة التالية قرع الباب فاجفل اجفاﻻ عنيفا. كان ثمة من بالباب.
جلس ساكنا مثل فار مذعور.. راوده امل واه بان من يقرع سينصرف بعد المحاولة اﻻولى. لكن هيهات! تررر القرع على الباب. اسوا اﻻشياء على اﻻطلاق ان يتاخر. كان قلبه يدق مثل طبل..
بالباب سيدة. كانت لديها عادة قطع الجملة في منتصفها..
كان زوجها نشيطا وغبيا غباءا يبعث على الشلل .. كان كتلة من الحماسة الحمقاء.. واحدا من اولئك المخلصين الكادحين.
كان اﻻطفال يتم برمجتهم لعبادة الحزب، عبادة اﻻخ اﻻكبر. . وكان هذا نوع من اﻻلعاب الممتعة بالنسبة لهم


وفجاة وجد نفسه يفكر فيه من جديد.
منذ كم من الزمن؟ ربما سبع سنوات.. حلم مرة انه يمشي..
كانت تلك عبارة تقريرية وليست حوارا حقيقيا. لم تبد الكلمات ذات معنى اﻻ بعد مدة من الزمن وعلى نحو متدرج.
لم يعد واثق اﻻ ان يثق.. انها 
اننا نحارب من اجل احلال السلام.
كان احساس النشوة بالكتابة يزول محا بدله احساسا بالخواء.
التفكير المزدوج..
لماذ يكتب؟ امن اجل المستقل؟ ام من جل الماضي؟ .. امن اجل زمن ﻻ يوجد اﻻ في مخيلته.. سوف تتحول مذكراته الى رماد.وسوف يتحول نفسه الى بخار يظهر ليلا ثم يضمحل.
لقد كان وحيدا مثل شبح ينطق بحقيقة لن يسمعها احد. 
يمكن للمرء ان يواصل التراث البشري ﻻ عن طريق جعل صوته مسموعا، بل عن طريق البقاء بعيدا عن الجنون.

عاد الى طاولته. وامسك قلمه وكتب:
الى المستقبل او الى المااضي.. الى زمن يكون فيه الفكر حرا. والحب ابديا. واﻻرواح صافية.عندما يكون البشر مختلفين الى زمن تكون فيه الحقيقة.
اﻻن وبعد ان ادرك الموت صار مهما ان يحيا اطول فترة ممكنة.
***
كان يحلم بوالدته.. ﻻبد ان كان في العاشرة.. مع تنهيدة عميقة لم تمنعه من.. (يستكمل)

30 مارس 2020

قراءة في رواية: الطاعون

ومنذ ذلك الحين وقد طال خجلي.. اجل، ظللت على خجلي ، وتعلمت ذلك، تعلمت اننا كنا جميعا في الطاعون، وفقدت الطمأنينة والسلام. وما زلت اليوم ابحث عنهما. محاوﻻ ان افهم الجميع واﻻ اكون العدو المميت ﻻي منهم. وانما اعلم ان علي ان اعمل ما ينبغي ان اعمل كي ﻻ اكون بعد مصابا بالطاعون، وان هذا وحده – الخجل (ومجاراة التيار) يجعلنا نامل السلام، او موتا شريفا بدلا منه.. 
ومن اجل هذا ايضا، ﻻ ارى هذا الوباء يعلمني شيئا، اﻻ ان من الواجب محاربته الى جانبكم. انني اعرف معرفة اكيدة ان كل انسان يحمل في جلده الطاعون، ﻻنه ليس ثمة في الدنيا من هو معصوم منه (يقصد جرثومة الشر). وان على اﻻنسان ان يراقب نفسه من غير انقطاع حتى ﻻ يتنفس، ذات لحظة من لحظات الشرود، في وجه انسان اخر، فيلصق به العدوى. 
فالطبيعي هو الجرثومة. اما الباقي، الصحة والكرامة والصفاء فهي نتيجة ﻻرادة، ﻻرادة ينبغي اﻻ تقف ابدا. ان الرجل الشريف، ذلك الذي ﻻ يعدي احدا تقريبا، هو من يملك اقل الوسائل الشرود واللامباﻻة. وﻻبد من ارادة حتى ﻻ يشرد المرء – اجل - انه لشاق جدا ان يكون احدنا مصابا بالطاعون، ولكن اﻻشق، هو انه ﻻ يريد ان يصاب به (اذ عليه ان ياخذ احتياطات مرهقة ﻻ تنتهي). من اجل هذا ، ترى بعض الذين يريدون اﻻ يكونوا مصابين يعانون تعيا مفرط ﻻ ينقذهم من الموت على اية حال، ولن يحررهم منه سوى الموت ذاته. 

عن رواية الطاعون، البير كامو

23 مارس 2020

فابيولا ٢

كان الدم يغلي في عروقي. وسمعت صوتا يهتف بي في اعماقي قائلا:
يا جبان.. تقدم واثبت له انك لست كذلك. وشعرت بان فيّ  قوة عشرة رجال، ووددت لو امسكت به، وخبطت به اﻻرض. وكانت هذه احرج لحظات مررت بها في حياتي..
وماذا فعلت بي يا بني؟
لقد انتصرت يا امي على هذا الروح الردئ. وتذكرت سيدي المبارك في بيت قيافا والجند يحيطون به ساخرين ضاحكين مستهزئين يضربون ويتفلون على وجهه. فقلت في نفسي، هل العبد افضل من سيده، ام التلميذ افضل من معلمه؟ وهكذا رفعت يدي الى السماء وفي هذه اللحظة تقدم كسيانوس الذي كان يرى كل شئ من بعيد. ولما رأوه تفرقوا مبتعدين. ولكن طلبت منه بحق اﻻيمان اﻻقدس المشترك بيننا ان يترك هذا الشاب وﻻ يمد اليه يدا. اﻻ ترين يا اماه ان هذا اليوم يستحق ان يكون اسعد يوما في حياتي؟

حفلة التكريس

واسدل الليل ستاره على مدينة روما، ودلفت الى البيت خادمة عجوز، واشعلت في هدوء الثريات والسرج وانسحبت كما اتت، والقت السرج ضوءا على الشخصين الجالسين في صمت، وهما يتطلعان احدهما الى اﻻخر، فلم ترد اﻻم بعد ان اكمل ابنها قصته، اﻻ ان تنحني عليه وتقبله.. كانت تجيش في صدرها مشاعر متباينة. لم تكن هذه المشاعر هي مشاعر ام ترى ابنها نجح في امتحان قاس صارم، فهي تستطيع ان تفخر بابنها اما شيوخ الكنيسة، كما افتخرت ام من قبل بابنها امام مجلس الشيوخ الروماني.
ولكن المشاعر التي تجيش في صدرها اعمق من هذا. وكانت هذه لحظة انتظرتها منذ سنين طويلة، واعدت العدة لها بدموع وطلبات كثيرة. فكم من ام كرست ابنها من المهد ﻻقدس واسمى هدمة في الوجود : الخدمة امام المذبح.. وروت نبتة القداسة في حياته بدموع عينيها..

واغمضت اﻻم القديسة عينيها ورفعت قلبها بصلاة قلبية عميقة.. ثم قطعت لوسينا حبل السكون قائلة له:

لقد اتى الوقت يا ابني الذي كنت اعد نفسي له  وكنت اتطلع اليه منذ امد بعيد.. ها انا اراك اليوم ووجهك صوب صهيون وقد ادرت ضهرك الى مدينة اﻻباطيل وشعارك "حاشا لي ان افتخر اﻻ بصليب يسوع المسيح". لقد كنت انتظر هذه الساعة التي يختبر فيها ايمانك.. وها قد اجتزت اﻻختبار بنجاح.. ويحق لي ان اقول بفرح انك ابن الشهيد، وان نصيب اثنين من روح ابيك قد حل عليك.
وتمتم الصبي في دهشة:
يا اماه ماذا فعلت حتى تخاطبيني هكذا؟
اسمع يا ولدي: لما كنت طفلا كطفل كنت تتكلم وكطفل كنت تفطن وكنت تفكر.. وها قد اصبحت رجلا وينبغي ان تبطل ما للطفل..
ماذا تقصدين يا امي؟

(يستكمل)

26 فبراير 2019

هل تريد ان تأكل الآن ام تنتظر وقف اطلاق النار؟

ذات يوم رأيت عملية خطف لاحد الاشخاص. استغرقت عملية الخطف ثوان قليلة. كنت في طريقي الى مطار بيروت العالمي عندما توقفت سيارة الاجرة التي استقلها بسبب زحام المرور. فجأة رأيت عن جانبي الايمن اربعة رجال مسلحين يسحبون رجلا خارج بيته. وكانت هناك امراة، ربما زوجته، تقف بالداخل وتظهر من خلال فتحة الباب نصف المغلق وهي ترتدي رداء النوم وتصرخ. كان الرجل يقاوم بكل قوته، ونظرة رعب تظهر في وجهه. بكيفية ما هذا المشهد ذكّرني بمجموعة لاعبي كرة القدم يحملون مدربهم في الملعب بعد فوزهم في احد المباريات، والاختلاف ان ما رأيته هذه المرة لم يكن احتفالا. خلال ثانية واحدة تقابلت نظراتي مع هذه الضحية اليائسة، قبل ان يحمل الى سيارة كانت في انتظار الخاطفين. نظراته لم تقل لي "انجدني": كل ما تحدثت عنه فقط الخوف. هو عرف انه ليس بامكاني نجدته. هذه كانت بيروت.
بعد لحظات تحرك المرور، واسرعت سيارتي الى المطار. السائق اللبناني، الذي ثبت نظره الى الامام طوال الوقت، لم ينبث ببنت شفا عن المشهد المرعب الذي يكشف عنه نظرات عيناه. ولكنه تحدثا بدلا من ذلك عن عائلته، وعن السياسة، وعن اي شئ اخر فيما عدا ما رأيناه امامنا. بينما هو يتحدث، كان ذهني محصورا في الرجل ضحية الاختطاف. من هو؟ ماذا فعل؟ ربما كان شريرا والخاطفون اخيارا، وربما العكس؟
كانت بيروت مدينة تثير اسئلة اكثر من الاجابات عليها، لكلا الفريقين – الذين يعيشون فيها او لا يعيشون فيها. اكثر الاسئلة من اصدقائي وعائلتي عندما عدت بدأت ب "كيف؟" – كيف يمكن للناس هناك ان يتعاملوا مع هذا الوضع؟ كيف يطيقون البقاء هناك؟ كيف يستطيع البشر ان يعيشون في مدينة قتل بها اكثر من 100 الف شخص خلال 14 عاما هي عمر الحرب الاهلية هناك؟
اجابتي كانت ان بيروت تحتاج الى اشياء كثيرة، اولها واهمها، خيال جامح. لانه في خلال ثوان قليلة هي مدة الرحلة الى المطار او الى متجر بقالة يمكنك ان ترى، ليس فقط مشهدا لم تراه من قبل طوال حياتك، لكن ايضا شيئا لا يمكنك تصور حدوثه.
صديقي امنون شاهاك اخبرني بهذا. حكي لي عن الايام التي تلت غزو اسرائيل للبنان عام 1982. قبل ايام من تقلده مهام منصبه كانت الميلشيات الدرزية والمسيحية (الكتائب) قد اشتبكت في صراع دام بالدبابات والصواريخ. لقد حكى شاهاك لي عن اول يوم له هناك، عرف منه انه لم يكن قد عرف شيئا بعد عن لبنان، على الرغم من انه جندي قوي ومحنك، لكن ما رآه في لبنان فاق كل تصوراته.
"اول ليلة بعد وصولي" قال امنون وهو يستعيد ذكرياته "نمت في غرفة صديقي "علي"، في منطقة الشوف، والتي كانت مركزا للقيادة. في حوالى الساعة 9 مساءا اتى مجموعة من مشايخ الدروز الى مركز القيادة وطلبوا رؤيتي. كانوا غاضبين. لم يكن ليخبروني سبب انزعاجهم. فقط كرروا القول "من فضلك، يجب ان تأتي معنا"، كنت قد وصلت للتو الى المدينة. بدى انهم غاضبين جدا، لذا فقد رأيت انه من الافضل ان اذهب معهم. عندما دخلنا الى المستشفى ، كان هناك زحام حوالى مئة من الدروز يقفون امامها. كانوا يصرخون ويلوحون بايديهم بغضب. اخذوني الى الداخل ووجدت امامي ثلاثة اسرّة، احدها عليه اذرع بشرية والثانية جذوع، والثالثة ارجل. قالوا لي انها لشيوخ دروز قتلهم المسيحيون ومثّلوا بجثههم. بدى امامي انهم شيوخ لان الرؤوس كلها لها لحى.
كان المشهد حقا صادما" تابع شاهاك يقول "لم ارى ابدا شيئا مثل هذا خلال سنوات تجنيدي. قررت انه مهما كان التوقيت يجب ان اذهب الى قيادة الكتائب في بيروت واطلب منهم ايضاحا. لذا فقد اخذت السيارة الجيب ونزلت الى بيروت. فؤاد ابو نادر، احد قيادات الكتائب، كان في انتظاري مع بعض رجاله. كان طبيبا متمرنا. طلبت تفسيرا لما رايته. كان يصغي وهو هادئ. وعندما انتهيت من وصف كل شئ رايته، قال لي "اه، اعرف هذه الخدعة" قال انه كان يوجد قتال ذلك اليوم بين بعض رجاله وبعض الدروز وبعض الدروز قتلوا في هجومهم على الكتائب في محاولة ﻻحتلال مواقعهم، وتركت الجثث في ميدان المعركة. قال ان الدروز اخذوا الجثث ثم مثلوا بها ليجعلوا الامر يبدو كما لو ان المارون من فعلوا ذلك، واحضروها الى "على" ليثيروا حفيظته. هززت رأسي بأسف. ادركت في تلك اللحظة انني وسط لعبة لم افهمها.
بعد ان قضيت 5 سنوات في بيروت، استطعت ان اكوّن صورة عن المدينة. توصلت الى استنتاج ان بيروت تشبه الثقب الاسود، اكثر الجوانب اظلاما في السلوك البشري، غابة متمدنة حيث لا يطبق فيها حتى قانون الغابة. ذلك الثقب الاسود لا يترك فقط ندوبا بل ايضا يكوّن عضلات جديدة. بعد ان تعيش في بيروت لفترة وجيزة ﻻ تعد الحياة تعد تقدم لك مفاجاءات او صدمات اكثر، وتشعر وكأنك ترتدي حلة مضادة للرصاص.
في يوم 8 يونية، 1982م. الهجوم الاسرائيلي على لبنان بدأ قبل 48 ساعة. كنت انا ومحمد كسراوي، سائقي في بيروت والذي يعمل في الوكالة منذ 1953، كنا نغطي اخبار تبادل اطلاق ناري بين القوات السورية والاسرائيلية. هذا المساء، عندما عدنا الى المنزل، وهو قصر فاخر ذو 6 طوابق يطل على البحر، نزلنا من السيارة لاجد في مقابلي "نادية" خادمتي، تطل من الشرفة في حالة من الرعب الشديد وهي تقول "لدينا زوار”.
كان يقف في موقف السيارات عائلة فلسطينية كبيرة – اب، ام، جدة، مع اطفال رضع محمولين على ايديهم، واطفال متدرجي الاعمال يقفون الى جوارهم. كانت اعينهم مستديرة يملؤها الخوف. كانوا يحملون امتعة محشوة بالملابس. اكثر ما اتذكره هو الاب الذي كان يحمل مدفع رشاش على كتفه. مثل عائلات فلسطينية كثيرة اخرى اضطروا لترك مخيم اللاجئين في جنوب لبنان بسبب القصف الاسرائيلي الذي لا رحمة فيه والبحث عن شقة في غرب بيروت بعيدا عن القتال الدائر. حدث من قبل ان 3 عائلات فلسطينية بالفعل شغلت الثلاثة غرف الشاغرة في منزلنا. هذه العائلة حاولت بالفعل اقتحام المنزل لكن نادية استطاعت ابعادهم بصورة مؤقتة بقولها لهم انني شخص اجنبي "ذو علاقات" – والتي تعني " انني على صلة بالناس الذين يقتلون الناس الاخرين”.
ما رأيته في اليوم الثالث للغزو الاسرائيلي للبنان جعلني اعتقد انه من الكثر امنا لي ان استأجر غرفة في فندق. زوجتي لم تكن قد وصلت بعد الى لبنان، اذ كانت لا تزال تنهي عملها في نيويورك. تطوع محمد ان يحضر اثنان من افراد اسرته – ابنته حنان ذات 13 عاما وابنته عزيزة ذات السبعة اعوام – الى الشقة. لو حاول اي لاجئون اخرون ان يقرعوا الباب، ببساطة سيقابلون ببمن يقول لهم انهم ايضا فلسطينيون يفترشون الارض.
نجحت الخطة حتى يوم الجمعة مساءا، 11 يونية، عندما انهيت كتابة مقالي في جريدة التايمز وكالعادة ارسلتها الى المحرر عن طريق التليكس. توجهت الى فندق كومودور للمبيت. كان السلم مظلما بسبب انقطاع الكهرباء منذ يومين حين نشب الاقتتال. انا و زميلي بيل فاريل تحسننا طريقنا الى الاعلى، وعند اخر درجة في السلم التقينا بشبح انسان، يلهث ومقطوع الانفاس من الصعود بسرعة في نفس الوقت للحاق بنا.
"توم؟ توم، هل انت هو؟" جاء الصوت المألوف لي والذي كان لاحسان حجازي صحفي فلسطيني يعمل معي.
"نعم انا يا احسان" قلت بلهجة غير مكترثة "انه انا".
"شكرا لله، انك حي" قال وهو يقبض على كتفي ووجهه مقابلي"يا الهي" اطفال محمد هناك. انهم .. لقد وقع انفجار و..
غادر محمد لرؤية اطفاله في الحال. تعثرنا ونحن ننزل السلم بسرعة فائقة. وخلال الطريق ونحن في السيارة ظللت افكر في نفسي، لا يمكن ان يحدث هذا لي. انني صحفي فقط. لماذا منزلي؟ بالتأكيد الناس يقتلون الصحفيون في بيروت، لكن انا هنا منذ اسابيع قليلة.
عندما وصلت انا وبيل واحسان الى المنزل، اول شئ رأيته كان قطع من نافذتي المعدنية المتحطمة نتجت من انفجار على بعد 75 قدم في موقف السيارة. الشقة نفسها انشطرت نصفين مع ركام على كل ارض. اوعية من الاستانلس مبعثرة خارج المطبخ. امراة لبنانية شقراء حشرت هي وابنها بين حائطين سقطا معا مكونة بقايا حفرية لجسد بشري، وزوجها المذهول يدور باحثا في الجوار مثل "زومبي" على ابنه الاخر. نصف المبنى الذي تهدم بفعل الانفجار انهار ليكون ركاما يصل ارتفاعه الى 30 قدما في صورة بركان من الركام الخرساني وقضبان حديدية وكتب وملابس واشلاء ادمية غطت كل السيارات في الموقف المجاور. متطوعو الصليب الاحمر كانوا يقومون بانتشال الناجين من تحت الانقاض.
الشئ الثاني الذي رايته كان محمد وهو يجلس على .. (يستكمل)

ترجمة عن كتاب: من بيروت الى القدس - توماس فريدمان

25 أغسطس 2017

سقوط ابليس (2)



ايها الروح! يا من تنزل من طهر فؤاده – فلقد كنت قائما منذ بداية الوجود – باسطا جناحيك الجبارين فوق الهوة الشاسعة، ثم رقدت فوقها مثل الحمامة، حتى دبت الحياة في احشائها.بدد ظلمات نفسي!
شد ازري وثبت دعائم كياني! لعلي استطيع تبيان العناية الالهية ، شارحا حكمة ما يفعله الله بالانسان.
ايها الروح! حدثني عن جدينا العظيمين وهما هانئان في اعطاف النعيم وهانئان برضا الله.
واخبرني عما حدا بهما ان يغضبا الاله العظيم خالقهما.
من الذي اغواهما بهذا العقوق الذميم؟
انه الثعبان الدنئ! (الحية القديمة، ابليس)
لقد ثار مكره الدفين، نازع الحسد قلبه فخادع ام البشر، بعد ان لفظته الجنة لغروره وخيلائه ومعه اتباعه، حشد كبير من الملائكة العصاة.
طمع في ان يضارع منزلة الله، وهكذا حفزه هذا المرمى الى تحدي الله واثارة قتال في الجنة : معركة يشنها الخيلاء وحصادها هباء!
وهكذا انقلب ساقطا يتقد لهيبا، تغله الاصفاد ، ويصطلي بعذاب الحريق.
انبطح مع رفاقه في هوة الهزيمة يتقلبون في لجج اللهيب.
بدأ في التفكير في سعادته الغاربة وعذابه المتواصل، فاخذ يقلب عينيه الخاسئتين فيما حوله ،
عينيه اللتين شهدتا على الالم والخسران المبين، وما اختلط بهما من الغرور العنيد والحقد الشديد.
وسرعان ما ادرك ضنك حاله وضياع مآله.
(مثواه) نار بلا نور!
بل ظلمات لا تكشف الا عن مشهد كرب.
وظلال غم وهم، وساحات قد انتفى منها الامل. منابع كبريت لا تخبو جذوته ولا ينضب له معين.
وسرعان ما ابصر رفاقه يتقاذفهم بحر النيران المتلاطم ودومات السعير العاصفة!
وعرفته اسرائيل بعد ردح طويل واسمته بعلزبول.
بينما اصبح اسمه في السماء ابليس.
ما ابعدك عمن كنت اراه في اصقاع النعيم الوضاءة، يشع بهاءا علويا يطغى بريقه على الالاف!
ما احط وهدة المهوى وارفع جنة المأوى!
(وهوذا الله) دافعا الى المعمعة الضاربة بقوة لا يحصى عددها من الارواح المدججة ممن تجاسروا على مناوئة حكمه، وانحازوا الى صفوفي، فقارعوا قوته العارمة بقوة غاشمة، في معركة زلزلزت عرشه.
وماذا ان خسرنا الموقعة؟
اننا لم نخسر كل شئ . ما زالت لدينا عزيمة لا تفل.
اننا نستطيع اذا حزمنا امرنا – يحدونا امل اصدق- ان نشن – عنوة او بالمكر – حربا سرمدية.
هكذا تحدث الملاك العاصي – رغم عذابه – متباهيا، زاعق النبرة يعتصره يأس عميق.
ولم يلبث ان جاءه الجواب من رفيقه الجسور:
ايها الامير! يا زعيم العديد من الصناديد المتوجين!
يا من قدت المقاتلين الافذاذ من طغمة الكاروبيم في حومة الوغى، فقاموا تحت امرتك بافعال رهيبة!
ان الحادث الرهيب ليمثل امام ناظري فيثير الاسى.
يا للتهلكة المخزية ويا لدرك الحضيض الخفيض!
لكن ما زال الذهن منا والروح صامدين، وسرعان ما سيعود بأسنا شديدا رغم انطفاء جذوة المجد والبهاء، ورغم ان بهاؤنا قد ابتلعه الى الابد يمّ الشقاء!
ولكن لماذا (لم يفنينا) قاهرنا الجبار- اتراه قد ابقى على هذه النفس وقوانا كاملة حتى نقوى على مر المعاناة واليم العذاب، فنشبع غضبه؟ ام لننهض باعباء ما يأمرنا به وقد صرنا عبيد له؟
سواء كنا في قلب النار نكتوى، او نقضي له المارب في المحيط البهيم.
وما جدوى قوتنا التي لم تنتقص وكياننا السرمدي؟
وسرعان ما جاء رد الشيطان الاكبر:

ايها الملاك الذي هوى! ثق في قولي– انك لن نفعل خيرا بل سنرى الشر دوما متعة مثلي .. فنجعل من الخير سببا للشر.
جون ملتون - الفردوس المفقود

3 أغسطس 2017

قصاصات من رواية - العمى


كان الرجل الجالس خلف مقود سيارته يردد يائسا :
- "انا اعمى، انا اعمى!" 
حاول الناس مساعدته على الخروج من سيارته، بينما الدموع الطافرة من عينيه اللتين يدعى فقدهما البصر، جعلتهما تظهران اكثر تألقا.
- "تحدث امور كهذه"، قالت سيدة.
- "ازمة وتمر"، قال رجل.
"يحدث ذلك لاسباب عصبية احيانا"، قال رجل اخريبدو انه كان طبيبا.
تغيرت اضواء اشارة المرور، تجمع بعض المارة الفضوليين حول سابقيهم، احتج السائقون الذين في المؤخرة، ولم يعرفوا ماذا يجري، على ما اعتقدوا انه حادث عادي: تحطم مصباح سيارة، انبعاج جانب سيارة..
"اطلبوا الشرطة"، صاحوا، "واخرجوا هذه الخردة من الطريق.
توسل الاعمي: "ارجوكم ليأخذني احدكم الى بيتي".
اقترح احدهم ان يقود سيارته ويوصله الى بيته. اجلسوه في المقعد الامامي. وفي السيارة رفع الرجل الاعمى يديه الى عينيه وقال "يبدو انني غطست في الضباب، او سقطت في بحر من الحليب".
"لكن العمى مختلف عما تقول"، قال الشخص الاخر "يقولون ان العمى اسود".
"حسن ، لكني ارى كل شئ ابيض. الارجح ان ذلك الرجل كان على صواب".
"نعم، قد تكون مسألة اعصاب، فالاعصاب شئ غاية في التعقيد"
"لا احتاج ان تشرح لي عنها، انها كاثة. نعم كارثة"
"قل لي اين تقطن"
اجاب الاعمى متلعثما، وكأن فقان بصره قد اضعف ذاكرته: "
كان بيته قريبا. لكن الارصفة كانت مكتظة، لم يجد مكانا لصف السيارة.
دخل الى شقته وحالما جلس على الاريكة، اغمض عينيه.. وراح يفكر. تمنى ان يكون في حلم، حلم مخادع.. حلم يجب ان يخرج منه عاجلا او اجلا.
"استيقظ.. استيقظ! ما الذي تفعله هناك، نائم؟"، سألته زوجته.
لم تنتظر الرد، وشرعت تفرغ حقائب بها بعض المشروات في المطبخ، ومن حين لاخر تغمغم بغضب تعمدت عدم اخفائه..
اقتربت منه، فتح عينيه.
"استيقظت اخيرا ايها النوّام!"، قالت مبتسمة.
صمت هنيهة ثم قال: "انا اعمى!"
نفذ صبر المرأة "كف عن هذه الالاعيب الصبيانية. هناك امور لا يجب المزاح بها"
"ارجوك لا تخفني. انظر هنا"
احتضنته وبدأت تبكي.. غمغم، "اني ارى كل شئ ابيض، وابتسم ابتسامة حزينة. جلست المرأة قوية، احتضنته بقوة، ثم قبلته بلطف على جبينه، وعلى خده برقة، سترى انها ازمة وتمر، فانت لم تكن مريضا، لا احد يعمى هكذا بين لحظة واخرى.
امسكت بالتليفون، سألت ان كانت هذه عيادة جراحية، وان كان الطبيب موجودا، وان كان بوسعها التحدث اليه. ان زوجي قد اصيب بعمى مفاجئ.
استوقفا تاكسيا.. في الطريق كانت المرأة تعصر يد زوجها في يدها بحنان. بينما احنى رأسه بحيث لا يستطيع سائق التاكسي ان يرى عينيه في المرآة.
اتصل الطبيب بطبيب اخر صديقا له،قال:
"اني واجهت اليوم حالة هي الاغرب.. بعد الغداء سأبحث في الكتب، سأنظر في بعض المراجع لعلني اجد مفتاحا ما. نعم اني ملم بموضوع العمى، قد يكون عمى نفسي. لكن عندئذ ستكون هي الحالة الاولى من نوعها. وكما نعلم فان العمى النفسي هو العجز عن تمييز الاشيلء المألوفة، لانه خطر لي انها قد تكون ايضا حالة عمى جزئي.
انهى الاتصال وجلس في كرسيه ساكنا لبعض الوقت. ثم نهض، خلع مريوله الابيض ببطء وبحركات متعبة. دخل غرفة الحمام ولكنه لم يسأل نفسه، هناك الاف الاسباب لانغلاق الدماغ.
عاد الى البيت، اخذ بعض الكتب من مكتبته.. راح يقرأ.. الى ان شعر بالخوف فجأة، كأنه سيعمى في غمضة عين.. وقد كان.

28 أبريل 2017

مغارة بيت لحم - قصاصات


اندفع بانياس واقفا وهو يرتعد من شدة الغضب ويزمجر قائلا:

- الا يكفيك انت واخيك انكما سلبتما راعوث وعرفة من ايمان موآب ؟
- ولكن راعوث وعرفة كانتا مؤمنتين بالرب قبل ان نأتي الى هذه البلاد.
- وماذا عن هيلي وكيلي الامين، انهما ايضا قد خرجا عن ايمان اجدادنا. وانتما الذي اخرجتماهما عن طاعة كموش. انتما غاويان كبيران وتمثلان خطرا عظيما على ايمان اجدادنا.
- ولكني لم اغر احدا. لقد تحدثت عن حقيقة الرب الهي.
- وشقيقك؟ لقد قال ان كموش دنئ وينبغي ان نتحاشاه كما يتحاشى الانسان الوباء المهلك. وانت كنت تسمع، فلماذا لم تدافع عن اله البلد الذي استضافكم واحتضنكم؟
- وانت ايضا كنت واقفا. فلماذا لم تدافع عن الهك.. ثم كيف ادافع عن كموش ، وانا اتعب للاله الحقيقي؟
- اسمع! انتم هنا تتمتعون بحماية موآب. ولنا دين في اعناقكم. واذا كنتم في بلد تتعبد لكموش، عليكما ان تتعبدا لاله البلد.
واحمر وجه محلون، وسمع لمشاعره ان تطغى عليه، فهتف قائلا:
- لا سم في ديانة يهوة، بل الصحة، والشفاء في ديانة اله اسرائيل. ان الهنا هو الاله الواحد الحق، والهكم اله الدناءة والحق. طقوس عبادتنا نقية اما عبادتكم فهي مدنسة. تعاليمنا هي الخير والنور اما تعاليمكما فهي الشر والضلال.
- اغرب عن وجهي وحذار ان تحاول الهروب. انت وشقيقك تحت المراقبة، حتى نبت في امركما.
خرج محليون وكانت الدنيا ظلاما. بدت الدنيا كانها كهفا ممتلئا بوحوش مفترسة. لكن ماذا عن الملان الضعيفة؟ - ماذا عن عرفة وراعوث ونعمى امه واخيه كليون؟ الم يهربوا من الجوع في ببلاده اسرائيل؟ وها هو الان يقع في براثن الذئاب؟ ماذا يكون مصيرهم؟ .. لقد اصبح واضحا الان ان كاهن مؤاب يدبر مكيدة للايقاع به وبعائلته.
وفي منتصف الليل، ايقظه من نومه صوت وقع اقدام، تقترب من المنزل، اسرع الى النافذة، ليرى جماعة من الجند غير المسلحين، تسير نحو البيت. كانت عيونهم تقدح شررا.
وعاد الى الفراش، حيث كانت راعوث ترقد في سلام، ولم يكن قد اخبر احدا بما حدث بينه وبين بانياس خلال النهار، وهو يأمل ان يجنبها الى اقصى حد ممكن – التفكير في المتاعب قبل وقوعها. ولقد كان ممكنا ان يفضي بمتاعبه لامه ويطلب منها النصح، لولا انها قد قالت له في فترة سابقة ان عليه ان يعتمد على نفسه في حل مشاكله طالبا النصح من يهوة. وعاد ينظر لى راعوث وهي مستلقية كالطفل الكبير، وتعجب في نفسه كيف ان امور الحياة عرضة دائما للتبدل.
تقلبت راعوث في نومها، وفتحت عينيها في تثاقل، ودهشت وهي تراه يقف على هذا النحو ناظرا اليها، واحاطت عنقه بذراعيه وهي تقول:
- محلون.. ماذا حدث؟
- اني لا استطيع ان اشرح كل شئ، فالوقت لا يكفي. فقط اقول ان بانياس قد ثار عليّ..

في ذلك الوقت كانت ثلة من الجند قد وصلت الى البيت، ولم يشأ محلون ان تشهد حادثة القبض عليه، فدس يده في جيبه واخرج قصاصة من البردي، تتضمن وصفا تفصيليا عن مخبأ اموال قد نهبها بانياس واخفاها في سراديب المعبد الخفية. وطلب منها ان تسرع بالهروب من الباب الخلفي..

18 يناير 2017

ثرثرة فوق النيل - قصاصات


ران على شلة الاصدقاء السكون للحظات، وما لبث ان قطعه صوت القرقرة الصادرة من جوزة "رجب". ثم طافت تعليقات شتى عن الطائرات الامريكية التي ضربت فيتنام الشمالية، الاشاعات التي لا تحصى، الهاوية التي يرقد على حافتها العالم، اللحوم والجمعيات التعاونية. الرشوة. العملة الصعبة. الزحام وتدني المرافق.. كل ذلك استقر في جوف الجوزة ثم تبخر دخانا كالبخار المتصاعد من طبق الملوخية التي طبخها عم عبده بالامس. وشعار كل واحد منهم بدى وكأنه ترديد لصدى لسان حال كل منهم ، يقول: لو لم اكن لتمنيت ان اكون.
قال مصطفى راشد: عندما يتوهج في السماء نور كهذه الجمرة التي امامي يقول المرصد الفلكي ان نجما قد انفجر وانفجرت بالتالي مجموعته واستحال الكل غبارا.
.. قال احمد: فلنبدأ بك. حدثينا عن همك الاول في الحياة.
لم يفاجأ بالسؤال فيما بدا وقالت ببساطة موحية بالصراخ:
- اهم ما يشغلني الان هو ان اجرب نفسي في كتابة المسرحية.
فقال مصطفى راشد بخبث:
- المسرحية لا تكتب لغير سبب.
جذبت نفسا متمهلا من السيجارة. وهي تضيق عينيها متفكرة مترددة فابتسم على السيد ابتسامة تنم عن مشاركة وجدانية:
- واضح من ان جو عوامتنا لا يتقبل من الحديث الا السخرية والعبث.
وصاح رجب:
- امامكم ساحرة ستحول بقلمها المهزلة الى دراما هادفة. ولكن هل تؤمنين بهذا حقا؟
- اود ذلك..
- تكلمي بصراحة، خبريني كيف. لا شك اننا نرحب بكل قلوبنا بهذه المعجزة.
- لا شك انها ارادة الحياة.
وتبادلوا الافكار. ارادة الحياة شئ صلب مؤكد، ولكنها قد تفضي الى العبث. اجل ما المانع؟ وهل تكفي لخلق البطل؟ ثم ان البطل هو من يضحي بارادة الحياة نفسها في سبيل شئ اخر ، هو اسمى في نظره من الحياة فكيف يتأتى ذلك الشئ العجيب؟
- ارادة الحياة هي التي تجعلنا نتشبث بالحياة بالفعل، ولو انتحرنا بعقولنا، فهي الاساس المكين ، وقد نسمو به على انفسنا.
فقال مصطفى:
يمكن تلخيص فلسفتك بانها تستبدل شعار (من تحت لفوق) الى (من فوق لتحت)
- لا فلسفة هنا
- همي الاول هو الستر!
- هو الوحيد فينا الذي سيعيش بعد الموت..
وضاق انيس بوحدته فنادى عم عبده ليغير له ماء الجوزة. وتمثل العملاق في لحظات حضوره كالموجود الوحيد في خلاء صوتي.
وجاء صوت يقول : ان همه الاول هو التذكر. واخر قال:
- لا، بل النسيان.
وسأل انيس:
- لماذا وقف التتار على الحدود؟
وهتفت ليلى: ليس لنا شأن بهذا!
غشى الجميع صمت جنائزي. واغمض انيس عينيه .. لم يعد الصمت يحتمل فقال على السيد:
- اني حزين .. يحسن بنا ان ننسى اجابة هذا السؤال.. لا، بل الموضوع كله.
وهتفت ليلى:
- اني صائرة الى موت محقق.
فقال خالد عزوز:
- كلنا صائرون الى موت..
- انما اعني موت افظع.
- ليس ثمة ما هو افظع من الموت.
وازدرد ريقه ثم استطرد:
- ثمة موت يدركك وانت حي.