4 مارس 2015

قراءة في رواية "حرب كاري"


مكان دافئ مضاء جيدا يشيع فيه جو بديع من السلام والراحة. وهذا المكان هو مطبخ السيدة ايفانز. ليس الامر هكذا، هذا المساء فقط بل انه كذلك علي الدوام. احساسك حين تتواجد فيه يشبه تماما شعورك حين ترجع الي البيت بعد يوم عمل شاق. او يشبه رائحة اللحم المشوي عندما تكون جائعا، او يشبه ايدي حانية تربت على كتفيك وتضمك حينما تكون حزينا. انه الشعور بالامان حينما تكون خائفا.

فتح الباب وبدا ان السيدة ليست في عجلة لاغلاقه. كانت ببساطة تنظر الى الاطفال مبتسمة ابتسامة خفيفة. كانت مس ايفانز امرأة طويلة ذات شعر لامع مسترسل اشقر اللون، ترتدي مريلة بيضاء وقد شمرت اكمام فستانها فبدت ذراعيها الغليظتين مغطاتين بذرات الطحين.
حينما ولجت كاري الى الداخل جالت ببصرها في جنبات المطبخ الكبير. كان المطبخ معتم الاركان ولكنه كان مضاءا في الجزء القريب من القنديل الزيتي الذي تدلى من السقف في المنتصف صانعا حلقة من الضوء الخافت. كان البرت ممسكا باحد الكتب، وجالسا الى منضدة صغيرة كانت اسفل المصباح مباشرة. صاحت كاري وهي تتلفت حولها وبدت خائفة الى حد كبير :
- اغلقوا الباب.
تحركت السيدة ببطء، فكرت كاري: هؤلاء الناس بطيئين جدا في حركتهم،. ثم قالت بقنوط:
- مس ايفانز ارسلتني من اجل الاوزة. لكن شئ ما طاردنا فركضنا ولكنه تعقبنا. شئ يصدر صوتا كالديك الرومي. حملقت السيدة الى الجهة التي اشارت اليها كاري فى الظلام خارجا.
- اوه، اسرعي واغلقي الباب من فضلك. والا سيدخل.
ابتسمت السيدة مجددا ابتسامة كبيرة. فظهرت اسنانها البيضاء مع تجويف في المنتصف.
- يبارككما الرب. انه فقط السيد جوني. انا لم اكن اعرف انه بالخارج . لقد ذهب لكي يقفل على الدجاجات.
قال البرت:
- اعتقد انه ذهب للتمشي بعد ذلك.
قالت كاري متحدثة ببطء لكي تجعلهما يفهمان ما تقصد:
- لكنه لم يكن شخصا، انه لم يكن يتكلم لقد كان يحدث اصواتا غريبة.
قال البرت بهدوء لكي يهدئ من روعها:
- هذه طريقة جوني في الحديث.
ونظر بصرامة الى كاري واستطرد قائلا: يجب ان تعتادي عليه. وانا اعتقد انكما اخفتماه كثيرا. بماذا تشعرين عندما تجدا الناس يهرعان مبتعدين عنكما في حين انكما لا تقصدان بهما سوءا.
نادت السيدة في الظلام:
- كل شئ على ما يرام ، جوني من فضلك ادخل.
ظهر شخص بالباب ووقف بجوار السيدة وكأنه يريد الامان، كان شخصا ضئيل الحجم ملابسه ليست نظيفة ووجهه مجعد. حاول ان يبتسم ولكنه لم يفعل ذلك بريقة صحيحة فاحد جوانب فمه تهدل.
قالت السيدة:
- هذا جوني، يا صغاري، ثم التفتت اليه وقالت:
- جوني، هيا قل لزائرينا، كيف حالكما.
نظر اليهما واصدر ذلك الصوت الغريب من حلقه. الآن فقط بدا كأنه يتحدث، ولكنها لغة غريبة غير معروفة، مسح يده اليمنى في بنطاله ونظر اليهما، لم تقدر كاري ان تحرك ساكنا، وعلى الرغم من انه لم يكن شبحا الا انها ما زالت خائفة جدا، خائفة ان تلمس تلك اليد التي امتدت لتصافحها. لكن اخاها نيك قال بلطف:
- اهلا جوني، وصافحه وكأن ذلك ايسر شئ واكثر الامور الطبيعية في العالم، واردف:
- انا نيك، نيكولاس بيتر ويلو، عمري عشر سنوات، لقد احتفلت بعيد ميلادي الاسبوع الماضي، بينما كاري اختي ستكمل الثانية عشرة في مايو المقبل.
قال جوني:
- هش هارش شالا. كان رذاذا يخرج من فمه وهو يتحدث. كانت كاري مرتعبة في اللحظة التي مد فيها يده ليصافحها.
لكن السيدة تداركت الموقف سريعا وقالت:
- الاوزة جاهزة لكما. ولكن قبلا ستأخذان شيئا صغيرا اولا. والتفتت الى البرت وقالت:
- البرت، هيا اصطحب كاري لتحضر الاوزة، بينما اعد لكم المائدة.
اخذ البرت شمعة واشعلها. تبعته كاري وسارت خلفه خلال ممر حجري الى معمل اللبن. كانت الاوزة مربوطة. كان المكان حول الاوزة متسخا قليلا. وكان هناك على الرف اناء كبير من اللبن تعلوه طبقة سميكة من القشدة. شعرت كاري بالجوع وقالت:
- اعتقدت ان جوني ميتا.
قال البرت وهو يضع الشمعة ليتمكن من الامساك بالاوزة بكلتا يديه:
- ليس هذا، جوني هذا بن عمي اعتاد ان يعيش في نورفولك. لكن حينما مات والديه كان مريضا منذ مولده.
قالت كاري: افتح الكيس لكي اتمكن من وضع الاوزة، هل انت مجنون؟
ليس اكثر جنونا من كثير من الناس. فقط ابسط قليلا من بعضهم. انا برئ او ساذج. هكذا وصفتني السيدة ايفانز. دفع البرت الاوزة وربط قمة الكيس. وقال بهدوء:
- انها ساحرة.
- ساحرة؟
- ليس الامر ما تفكرين به، او مثلما في الروايات. عندما كنت صبيا مرضت واعطتني بعض الاعشاب، فتحسنت صحتي سريعا، بينما كان الطبيب الذي عادني معتقدا انني اموت. لقد همس في اذن والدتي قائلا: لا اعتقد انه سيعيش حتى الربيع المقبل.
- الهذا السبب كنت في الفراش. واحمرت وجنتاها وهي تقول: ماذا ألمّ بك؟
- التهاب رئوي، وحمى روماتيزمية. لقد كنت محظوظا اذ ارسلوني الى هنا، الى السيدة ايفانز، والا كنت سألقى حتفي. لقد قلت للطبيب اني احب الكتب، فقال لي، انك ستجد كتبا في هذا المكان، وبالفعل وجدت مكتبة رائعة. هل تريدي رؤيتها؟
ترك الجميع الاوزة في المعمل، وتبعته كاري ونيك خلال ممر ضيق، ثم دخلا من خلال باب متأرجح الى قاعة متسعة مظلمة، حيث كانت ثمة ساعة تدق في احد اركانها، ومصباح زيتي صغير يلقي بضوئه فيضئ المكان اضاءة خافتة.
رفع البرت الشمعة عاليا، حيث امكن لكاري ان ترى الكتب على الارفف التي تصل الى السقف ومعظمها كان معنونا بحروف ذهبية. قال البرت في صوت وقور كما لو كان يتحدث في كنيسة:
- رائع، اليس كذلك؟ ولكن لا احد يستخدمها سواي.
سألت كاري: اين السيدة جوني؟
- انها راقدة. لمعت نظارته وهو ينظر اليها:
- انها تحتضر على ما اعتقد.
ذكر موت شخص افزع كاري. نظرت الى السقف وارتعشت. اردف البرت:
- لقد كانت مريضة لسنوات. كنت اقرأ لها احيانا في الكتب. هل تحبين القراءة؟
- ليس كثيرا.
لم يكن ردها صحيحا تماما. لكن كل هذه الكتب الكثيرة جعل قلبها يخفق. زفرت وهي تقول:
- يا لها من كتب كثيرة! اعتقد انها تستغرق الحياة كلها لتقرأها.
سأل البرت في تعجب :
- وماذا تفعلين؟.. اقصد عندما لا تذهبين الى المدرسة في العطلة الصيفية.
- انا اساعد في الدكان . دكان السيد ايفانز. نيك لا يسمح له الان.. واحيانا اتزحلق في الجبال.
بدا ذلك لالبرت اعمالا طفولية، ولكنه قال بلطف:
- ولو انكما لا تهتمان بالكتب كثيران دعوني اريكما شيئا. انه جمجمة الصارخة. يوجد قصص كثيرة عنها. غير حقيقية لكنها مثيرة. وتقدم الى الجمجمة ووضع الشمعة على منضدة. تلكأت كاري في الدخول الى الحجرة التى بدت معتمة ومرعبة.
- اوه، انها فقط جمجمة . تعالي وانظري.
كان ثمة صندوقا على المنضدة، وبداخله استقرت الجمجمة على قطعة من القماش القطيفة البنفسجي اللون. لمستها كاري بخفة. كانت دافئة اكثر مما ظنت.
- ما قصة هذه الجمجمة؟
- اسألي السيدة ايفانز وسوف تخبرك افضل مني. ثم اردف:
- من المفترض انها جمجمة افريقي احضر هنا خلال عصر تجارة الرقيق. لكن انا لا اعتقد ذلك. انها ليست جمجمة صبي. اقصد انظري، التقط البرت الجمجمة من مكانها واراها لكاري، واردف:
- الفك السفلي مفقود وكذلك بعض الاسنان من العلوي. لكن الضروس هنا. ان لها 16 ضرسا في الفك العلوي والذي يعني ضروس العقل وانت لا يكون لك ضروس العقل حتى تبلغين ال18 على الاقل لقد طالعت كتاب تشريح واعرف ذلك. ثم انظري هذه الخطوط في القمة انها تسمى خطوط الالتحام حيث تبدأ في الالتحام عقب الفطام. ولذلك يجب ان تكون لشخص بالغ، ولكنها صغيرة الحجم عن ان تكون لذكر بالغ، ولذا فانها يجب ان تكون لامرأة ضئيلة الحجم.
ثم وضع الجمجمة ونظر الى كاري وقال:
- هذا يجعلني انبئ بقصتها، بالطبع لا اعرف تماما، لكن يمكن ان تعرفي عمر هذه العظام، لذا سأخذها الى المتحف البريطاني، واطلب منهم ان يكشفوا على عمرها. المتحف البريطني يكتشف كل شئ، انه اروع مكان في العالم! هل ذهبت اليه من قبل؟
- ذات مرة.
وتذكرت كاري انها ذهب ذات مرة، وكان مملا جدا. كل هذه الاشياء المعروضة في الخزانات الزجاجية قفزت الي خيالها.

نظرة على رواية حرب كاري




مقدمة:
عندما اتي هتلر للسلطة في المانيا سنة 1933م، بدى ان حربا وشيكة سوف تندلع في اوربا بسبب طموحات حزبه النازي. وخلال الحرب العالمية الاولى (1914- 1918)، قتل 1400 شخص مدني من بريطانيا خلال الغارات الجوية. وفي الحرب التالية وبسبب تطور الاسلحة كان المتوقع ان عدد المصابين، سوف يصبح اكبر و لذا وجب ان تتخذ الحكومة اجراءات اكبر لحماية السكان.
تم تشكيل اللجنة البريطانية لاجلاء السكان في 26 مايو عام 1983م وكان يرأسها السير جون اندرسون. وقررت اجلاء الناس لاماكن امنة. قسمت البلاد الى اماكن يجب اخلاؤها، واماكن متعادلة، واماكن استقبال. الاماكن التي يجب اخلاؤها كانت:
لندن، بورتمويث، ساويثامبتون، برمنجهام، ليفربول، مانشيستر، شيفلد، نيوكاسل، ادنبرة واخيرا جلاسجو. وجميعها اماكن توجد بها مصانع وابنية حكومية.
اجلاء الاطفال البريطانيين
 كان السكان الذين يجب اخلاؤهم هم: الاطفال من سن 5 الى 15 سنة، والامهات التي لديها اطفال اقل من 5 سنوات، والحوامل، والمعاقين.
اعلنت بريطانيا وحلفاؤها الحرب على المانيا في 3 سبتمبر عام 1939م. وكان هذا بعد اعتداء هتلر على بولندا بيومين.
قبل حلول عيد الميلاد 1939م عاد نصف الاولاد الى بيوتهم حيث ان الغارات المتوقعة لم تحدث، ومع ذلك في يونية 1940م احتلت المانيا فرنسا واصبحت على مقربة من بريطانيا مما زاد المخاوف من غزو بريطانيا، ولذا تم اجلاء السكان من الساحل الجنوبي الشرقي حيث التهديد الحقيقي. وتم اجلاء الاطفال مرة اخرى ولم يعودوا الى بيوتهم الا بعد انتهاء الحرب سنة 1945م.
تم تقدير عدد الاطفال الذين تم اجلاؤهم بثلاثة ملايين طفل. بعض الاطفال استمتعوا بهذه الخبرة والعيش في الريف بينما البعض الاخر كانوا تعساء ربما لأن المستضيفين لهم كانوا غير لطفاء او انهم عاشوا في اماكن غير مريحة.
يمكنك قراءة المزيد على الموقع:


     احد البيوت التي دمرت خلال غارة. في الصورة تظهر رجلان، كما تظهر وبوضوح اثار الدمار.
الفصل الاول:
كاري، ارملة اخذت اطفالها الى قرية حيث تم اجلاؤها منذ 30 عاما مضت. كان عمرها في ذلك الوقت 11 عاما وعمر اخيها نيك كان 10 اعوام. في البداية كانت مسرورة برجوعها الان الى هذا المكان ولكن ذلك الشعور بدأ يخفت كلما اقتربت اكثر من المنزل الذي اعتادت ان تزوره، اصبحت حزينة وقلقة. قالت كاري:
لقد فعلت شيئا فظيعا عندما كنت هنا من قبل.
ابتعد ثلاثتهم عن الطريق المؤدي الى المنزل- وقالت كاري وهي تبتعد: لا احد يعيش هنا على اية حال.
ورجعوا الى القرية. وبينما هم يسيرون، اخذت تحكي لاطفالها قصتها.

الفصل الثاني:
منذ 30 عاما كان اخو نيك مريضا في القطار الذي استقله مجموعة من الاطفال الذين تم اجلاؤهم الى الريف، حيث سيعيشون خلال فترة الحرب. نيك وكاري تقابلوا مع ولد اكبر سنا منهما، وهو البرت ساندويتش، والذي ساعدهم في حمل حقائبهم الى باحة وسط القرية. 
 كاري واخاها في محطة القطار حين وصلا الى البلدة التي تم اجلاؤهم اليها

حين وصل الاطفال الى القرية امروهم ان يقفوا بجانب حائط، حتى يتمكن اهل القرية من اختيار الاطفال الذين يرغبون استضافتهم في منازلهم. احد المنظمين كان يحفز انسة ايفانز – العمة لو- لتأخذ نيك وكاري. كانت رافضة في البداية اذ ان اخاها اوصاها ان تحضر طفلتان. كانت الانسة ايفانز تعمل في دكان بقالة وكانت تعيش في الطابق الاعلى. اعطت العمة لو الطفلين شيئا ليأكلاه و حثتهما للذهاب الى النوم قبل مجئ العم ايفانز للبيت. واستطاع الطفلان ان يسمعا اصوات صياح العم ايفانز تأتي من الطابق الاسفل. فكر نيك في نفسه: لابد انني غول (مسخ)، حتى يغضب لهذه الدرجة من وجودي بالمنزل.
الفصل الثالث:
قابل الطفلان العم ايفانز للمرة الاولى. اخذت العمة لو تشرح لهما كيف ان اباها مات في المنجم. واستطردت قائلة: عندما ماتت امي ايضا، ايفانز وزوجته اخذا انتيلو وربياها مع ابنهما. ايفانز كان بمثابة اب لها اكثر من كونه اخ.  كاري ونيك ساعداها في العمل بالدكان. امسك نيك وهو يسرق بسكويت وقام ايفانز بتهديده ليضرب بشدة. تلقى الطفلان ان والدتهما ذهبت الى جلاسجو لتكون بجوار زوجها. وانها سوف تأتي لزيارتهما.
الفصل الرابع:
اعطى نيك قفازان وانجيل كهدية لعيد ميلاده. كان يجب على نيك وكاري ان يذهبوا الى قاع دوريد لاحضار اوز لعيد الكريسماس من اخت ايفانز الكبرى، وتدعى ديلي جوتوبيد. ايفانز كان قلقا عندما تزوجت مالك منجم انجليزي الذي تشاجر معها، ثم انفصلا، لكنه ما زال يتلقى الاوزة كل عام.
قالت انتيلو: الطريق خلال مجموعة شجرات الى المنزل ليس مكان للبقاء فيه بعد الظلام لكن ايفانز فكر في نفسه: كل هذه المعتقدات (الخرافات) لا معنى لها.  كاري ونيك حاولا ان يكونا شجاعين ولكنهما خافا حين سمعا صوتا يأتي من الاشجار. فهرولا الى البيت مرعوبين.
الفصل الخامس:
دخل الاطفال مطبخ هيبزبا جرين الدافئ والامن حيث رأوا هناك البرت ساندويتش. اصوات التهام الطعام كانت صادرة بالاكثر من مستر جوتوبيد الذي بالكاد كان يتحدث. استطاع نيك بسرعة ان يكوّن صداقة معه. عندما احضرا الاوزة معا، اخبر البرت كاري ما يعرفه عن المنزل والعائلة واراها جمجمة وسأل هيبزبا ان تحكي لها قصة اللعنة المتعلقة بها. سار مستر جوني بجوار الاطفال الى البيت. حيث بدا منزل ايفانز اكثر بؤسا.
الفصل السادس:
سأل ايفانز كاري ما اذا كانت قد رأت اخته، مس جوتوبيد. لقد كان لا يثق بهيبزيبا ويعتقد ان جوني احمق. كان نيك غاضبا من كاري لأنه اعتقد انها كانت تشي به لدى ايفانز. استمعت كاري لايفانز وهو يخبر انتيلو ان يعودا الى البيت لكي يلاحظا هيبزيبا. بعد عيد الميلاد، اوصى ايفانز الاطفال ان يأخذا علبة بسكويت الى هيبزيبا كهدية وتعبيرا عن الشكر على الاوزة التي قدمتها له. اراهم جوني البقرة و الدواجن في مزرعته. سمعت كاري مستر جوتوبيد يصرخ ولكنها لم تراه. كان ايفانز في مزاج سئ عندما عادا ولم يسألها. كانت كاري تعتقد انه ارادها ان تتجسس على هيبزيبا.

3 مارس 2015

خواطر مراهق


كانت تنقصه الجرأة للعودة الى العمل بعد ان اعتاد حياة البطالة والرفاهية واثناء مروره بالردهة مرت عيناه على لوحة من ايام ما كان يريد ان يصبح رساما. اعادت تلك اللوحة الى ذاكرته عدم اهليته لأن يكون رساما ناجحا، وكان يعزو ذلك لافراط ذوقه الفني في الدقة، وعلى اي حال فان ذلك لم يكن ليسره. لقد استقال من عمله منذ 7 اعوام لتوهمه ان له موهبة الرسم. وها هو الان يرى نفسه مجبرا على الاعتراف بخطأه في الاستهانة ببقية المهن كما فعل من قبل. فألقى نظرة سريعة مملة بالقلق على ما في الغرفة من البقية الباقية لمظاهر حياة مترفة، وعاد فدخل مكتبه وهو منقبض النفس. 
..
كان يحدوه للزواج امران اولهما العيش عيشة الاستقرار والرضا، وثانيهما الامل في ان يجعل حمل مسئولية عائلة من حياته التي تبدو جوفاء، حياة ذات معني واهدافا نبيلة. غير ان اعتبارات اخرى كانت تدفعه للاقلاع عن فكرة الزواج، اولها، الاشفاق على نفسه من فقد الحرية التي يتمتع بها من يحيون حياة العزوبية، وثانيها الحذر مما عند سائر النساء من صفات خفية قد تثير المشاكل بعد الزواج. هكذا كانت الافكار تتنازعه بين وضعه الحالي وبين الزواج ما بين مؤيد ومقبح.
...
هل الاسد يحب فريسته؟ ايتها الغزالة المسكينة! ان الاسد لا يحبك لذاتك وانما لذاته. لقد احتقرتني مارفا وانا المنتصر في الواقع. لو ان شخصا بصق في وجهي فعلا لما غضبت لانه ضحية. ان يشعر المرء بقوته الحقيقية امتع كثيرا من ان يكون مسيطرا سيطرة ظاهرية. لو كنت غنيا املك الملايين وطُلب مني ان ارتدي ثيابا بالية، وان اوهم الناس بأنني متسول، وان اجعلهم يزدرونني لفعلت ذلك، فحسبي عند ذلك معرفتي بثرائي ولا يهم ما يعتقده الناس.
بهذا كنت استطيع ان اقسر افكاري واحتفظ بفرحي. لكنني كنت اعمق احساسا. ولعلني اخطأت اذ اخذت اكتب . ان ما يبقى في اعماقي من مشاعر اكثر كثيرا مما يظهر في كلماتي. حقا ان كلمات المرء تظل افقر كثيرا مما يكنه قلبه، او بكلمات اخرى ان افكار الكثيرين مهما كانت ضعيفة تظل اعمق كثيرا مما يفصحون عنه، وهذا يرجع لعجزهم عن التعبير عن انفسهم. بل ان افكار البعض تصبح اقرب الى الاضحاك والبعض الاخر ابعد عن الحقيقة متى عبروا عنها. 
...
اليوم خضت اول مغامرة لأن اكون تاجرا ثريا. ما حدث ربما يبدو للبعض امرا صغيرا لا قيمة له. اما بالنسبة لي فكان اول خشبة استخدمت لصنع السفينة التي ابحرت بكريستوف كولمبس لاكتشاف الامريكتين، او بتعبير ابسط الخطوة الاولى في طريق الالف ميل.
ان كان يوجد شئ لا حاجة لأحد في الدنيا اليه، فهو هذا الالبوم الذي اشتريته. قلت لنفسي لا ضرر من هذا.. ان اول تجارة خاسرة دائما. حتى لقد يكون خسارتي هذا بشير خير. لقد كنت فرحا حقا. وبينما كنت احدث نفسي اذ دوي صوت في اذني قائلا:
- يا صاحب، هل تريد بيعه؟
-ابيعه لك بعشرة جنيهات.
-ولكن مهلا ارجوك، هذا البوم عتيق لا قيمة له. فيم عساه ينفعك؟ ولن تجد من يشتريه منك.
-لا يهم. كان يجب ان اطلب 25 جنيها. لن اخفض الثمن جنيها واحدا.
قلت ذلك ثم ادرت ظهري وانصرفت. لكنه ادركني بعد عدة امتار، وقال:
- خذ اربعة، بل اليك خمسة جنيهات! ظللت اسير دون ان اجيب.
- اذا. اليك المبلغ كله.
- ربما كان هذا ليس من الشرف، شئ تشتريه بجنيهين ثم تبيعه بعشرة.
- ولماذا لا يكون من الشرف في شئ؟ هذا سوق.

اعتقد انكم تظنون انها مجازفة حمقاء، انني اسلم بذلك.

عن رواية "المراهق" للاديب الروسي: دوستويفسكي 

المحكوم



"لماذا ينكلون بي؟ ماذا يطلبون؟ فيم اسأت اليهم؟ لا املك شيئا . قوتي مضعضعة.. الآمي مبرحة . رأسي يشتعل.. الدنيا تدور حولي في حلقات. تكتنف السماء دخان كثيف.. ونجوم تلمع من بعيد. الضباب بساط بنفسجي واسمع نغمات موسيقية اتية من بعيد.. البيوت تظهر بتتابع .. لعل هذا بيتي . اماه.. انقذي ولدك البائس.. ضميني الى صدرك بحنان . جاء صوتي متهدجا". هكذا كانت تجول في نفسه الخواطر.
كانت ثلة من الجنود التي جاءت لتنفذ حكم الموت بالرجل تواجه ضفة الجسر الاخرى المقام على النهر. وقد امسك قائد الجند بقرار تنفيذ الاعدام وجمد في مكانه، وكذلك جمد الجنود وكأنهم جميعا تماثيل قدت من حجر، وقفوا جميعا بلا حراك. والموت - كما تعلمون - له هيبة.
كان المحكوم عليه بالاعدام شابا في اوائل الثلاثينات، جبهته العريضة انطبعت عليها علامات الذكاء والطموح، ولا يغرب عن البال ان قانون الطوارئ ، في حالة الفوضى، يطلق للحكام حرية اطلاق الاحكام المجحفة، وكان هذا من حظه العاثر ..
نظر الى اسفل والمياه المنسابة تحته. اخذ يرقب قطعة من الخشب تداعبها صفحة فتارة تقبل وتارة تسكن عندما تصطدم بقاعدة الجسر اوالنباتات الطافية.
واغمض عينيه حتى يتحول عن تتبع ما يراه ، و يقصر تفكيره على من يرعاهم، اي زوجته واطفاله. لكن طرق رتيب مريع ، طرق نافذ كأنه المطرقة تهوى بشدة على السندان، سرعان ما اجتاح دماغه! وبسرعة مفاجئة خاطفة كانها ومضة برق، طنت اذنيه طنينا مريعا وبرد ما حوله واظلم الكون.. استطاع الآن تمييز الآن الوان المنشور الزجاجي في قطرات الندى التي تعلو سطح ورقة من اوراق الشجر. اما حواسه فقد اصبحت  الان مرهفة، وسمع طنين بعوضة وهي تثب في رقصتها المستمرة. وكذلك ذبابة وهي تصفق باجنحتها.   

الزمن.. الحظ..


اطلقنا على ما نقوم به تسكع وتلكؤ. شمس النهار الحارقة تجعل المرء يعرق كثيرا ثم يتحول العرق الى شيئا ما يملأ الانوف برائحة لا تحتمل.. دندن في صوت مرح: الم يكن هذا الزمن جميلا؟ خاصة الان وقد مضى، وانت تحاول ان تسترجعه.
قلت: لم يكن هذا الزمن جميلا، بل هوجميل الآن، ما زال وسيظل، انه ماثل، لم ينقضي، انا لا استرجع شيئا، كيف استرجع ما هو حاضر؟
قال دون مقدمات بحماس ساذج وبصوت عال: التاريخ لا يدحض.
قلت: بل مخادع، لا اعرف التاريخ وانا اقول 1941، 1984، ... ليس هذا الا منارات تضئ بحرا بلا شاطئ ولا جرس، تيه الامواج بلا نهاية، ليس فيه مسار، والسفن تمخره بلا توقف.
سرنا في ازقة لا تنتهي تتلوى كالثعابين، صاعدة هابطة على ارض وعرة.
ولكنه لم يكن يحس بالخطر، لذا مرت به نصائح امه مثلما تمر به نصائحها اليومية الكثيرة المملة، وبحركة بهلوانية اطار عملة في الهواء ثم تلقاها بكفه وبسرعة البرق اغلق عليها بكل اصابعه واضعا في نفس اللحظة ابتسامة بعرض فمه الكبير، وهو يقول:
هل رأيت ذلك؟ النجاح في الحياة مثل قذف العملة في الهواء، انه يعتمد على الحظ.
قلت: النجاح نبتة تغرسها بالكد والعرق في فترة الشباب، وتجنيها لاحقا.
قال: يا شيخ!
قلت: ليس ثمة شيخ يتذكر او يتحسر، وليس ثمة فتى انحسر ظله، بل هما واحد.
قال: ربما هذه مجرد طريقة في الكلام، لعلها تشبيه او استعارة.
قلت: لا، انها طنطنة بلا اقنعة.