10 أغسطس 2016

العطر - قصة قاتل ج1


 ظهرت يد الرضيع من تحت الغطاء، صغيرة ووردية اللون واخذت بين الفينة والاخرى ترتجف عند ملامسة خده. ابتسم وهو يشعر بالراحة تغمره فجأة. وللحظة تناول الطفل ووضعه على ذراعيه وهدهده برقة، وارتاح لهذه الفكرة. فهي فكرة رائعة, اب يهدهد ابنه ، انها لصورة قديمة قدم الحياة، ومتجددة في الوقت نفسه طالما ظلت الحياة، عندها شعر وحيد بالدفء يملأ قلبه وبالعاطفة تجتاحه.
عندئذ استيقظ الطفل واول ما استيقظ منه كان انفه الضئيل ، استنشق الهواء، وزفره بدفعات قصيرة وكأنه يعطس، ثم فرك انفه وفتح عينيه. كان لون عينيه يشبه لون الرخام الابيض وتشعان بنور صاف. سمع الدوي مجددا .. في الحال تبخرت فكرة الحياة الشاعرية حول علاقة الاب بابنه وضاعت معها رائحة الام الطيبة. وشعر بنفسه كمن انتزع من غلالة الافكار الحالمة التي احاط نفسه والطفل  بها في خياله.. وضع الصغير في مهده ونهض بحركة سريعة .. عندئذ بدأ الطفل بالبكاء، فرك عينيه بظهر احدى يديه الصغيرتين، فتح حلقومه الاحمر على اوسع مداه، واطلق عقيرته بالبكاء جعل وحيد يجفل فمد يده وتناول الطفل مهدهدا اياه وصارخا بصوت يعلو على صراخ الطفل: "دادا دادا" محاولا اسكات الطفل. لكن صراخ الطفل ارتفع وازرق وجهه وبدأ كأنه سيتوقف عن التنفس، الامر الذي جعل الدم يتجمد في عروقه.. يقرر ان يسلم الرضيع لبيت رعاية.. ليس هناك سوى مدام كلارا..
اما مدام كلارا فعندما كانت طفلة تلقت من والدها ضربة ادت الى فقدانها البصر باحدى عينيها. مع هذه الضربة اصبح الحنان غريبا عنها والفرح كاليأس.. ومرت الايام واصبحت مسئولة عن بيت للايتام. وفي ادارتها لهذا البيت كانت تمتلك مفهوما خاصا للعدالة، فهي لم تفضل طفلا على اخر. كانت تقدم ثلاث وجبات يوميا للاطفال دون ان تضيف ولا قطعة خبز بينها. كانت تحفّض الصغار ثلاث مرات يوميا حتى انقضاء العام الثاني من عمر الطفل. اما من استمر بعد ذلك في تلويث ثيابه فقد كان يتلقى توبيخ و صفعات ووجبتين لا اكثر. كانت تنفق نصف الدخل على اطفال ملجئها والنصف الاخر بكامله تحتفظ به لنفسها.. كانت دائما  انها لم تضف قرشا واحدا للمصاريف حتى لو تعلق بمسألة حياة او موت ، فهي بحاجة للمال وقد حسبت الامر بمنتهى الدقة. كانت تريد ان تضمن من المال ما يؤمّن لها ان تموت في منزلها، لا ان تموت في "مستشفى نزل الرب" المتواضع كزوجها. ان موته لم يخلف عندها اية مشاعر، لكنها ارتعبت من هذا الموت العلني امام عشرات من الغرباء.
عند هذه السيدة - التي لا روح لها - نمى الصغير. كان جسمه شديد المقاومة: فمن ولد مثله في وسط القمامة وعاش ، بالتأكيد لن يقوى عليه الموت بسهولة. كان قادرا على الاكتفاء بحساء الخضار اياما طوالا او بافقر انواع الحليب. وخلال سنوات طفولته تمكن من ان ينجو من امراض الحصبة و الدرن والالتهاب الرئوي وغيرها من الامراض المستوطنة. كما نجا مرة من السقوط من الطابق الثالث ، وفي مرة اخرى من الارتطام على الدرج، ومن انسكاب الماء المغلي على صدره. صحيح ان اثار ذلك ظهر في ندوب واخاديد وفي قدم عرجاء لكنه عاش. كان شديد المقاومة كالبكتريا المقاومة للعقاقير . كان جسده قادرا على الاكتفاء بالحد الادنى من الغذاء والملبس.
ما ان انقطع الراتب السنوي الذي يصلها نظير رعاية غرينوي، اقتادت الصبي باتجاه المدينة. كانت تعرف بالقرب م النهر دباغا يدعى غريمال . كان مشهورا بحاجته الى الاطفال كايد عاملة، لا كتلاميذ او متدربين، بل كعمال باجر زهيد. والمعروف عن اجواء هذه الحرفة ان فيها اعمالا شاقة كسلخ الجلد ومزج سوائل الدبغ والتلوين السامة وتشريب الجلد بالقلويات وكلها امور خطرة لا يجازفلا المعلم بتعريض حياة تلاميذه لها ان امكن بل يعتمد على حثالة العاطلين عن العمل او على الاطفال الذين لا يسأل عنهم احد. كانت مدام كلارا تعرف ان لا فرصة امام غرينوي للبقاء على قيد الحياة ، ولكنها لم تكن تشغل بالها بمثل هذه الافكار، فهو ان عاش فهذا حسن وان مات فهذا حسن ايضا. فبقاء غرينوي كان سيعرض مستقبل الاطفال للخطر بل مستقبلها هي، اي موتها الخاص المضمون والذي ليس لديها ما تامله في الحياة سواه.غل بالها بهذه الافكار فقد ادت واجبها تجاه رعايته اما ما يحدث منذئذ فهذا ليس من شأنها.
وبما اننا عند هذه المرحلة من قصتنا سنترك مدام كلارا دون ان نلتقي بها مرة اخرى فيما بعد فاننا نود ان نكرس بعض السطور لوصف اخر ايامها. ان مدام كلارا - التي ماتت من الداخل منذ طفولتها- امتد بها العمر طويلا، بل طويلا جدا. عندما شارفت على السبعين تخلت عن مهنتها واكتفت بالراتب التقاعدي الشهري الذي تتقاضاه، وقبعت في منزلها منتظرة الموت. لكن الموت لم يأت. بل جاء بدلا منه ما لم يكن في الحسبان، وما لم يسبق ان وقع في هذا البلد ابدا، اي الثورة! وما تبعها من التبدل السريع في الاحوال. في البداية لم يكن لهذه الثورة اي تاثير مباشر على مصير مدام كلارا و لكن فيما بعد – عندما قاربت الثمانين من عمرها – سمعت بان المسئولين عن راتبها التقاعدي قد اضطروا للهجرة وان املاكهم قد صودرت ولفترة قصيرة لم يكن لهذا التحول اي اثر على احوال مدام كلارا لانها ظلت تتقاضى راتبها في ميعاده. ثم جاء اليوم الذي تسلمت فيه راتبها على شكل اوراق صغيرة مطبوعة بدلا من القطع المعدنية المصكوكة. انئذ بدأت نهايتها المادية . فبعد مرور عامين لم يعد الراتب يكفي لشراء ضروريات الحياة. ولذا وجدت مدام كلارا نفسها مضطرة لبيع اثاث بيتها ثم بيتها نفسه وبسعر بخس اذ فجأة كان هناك الالاف ممن اضطروا لبيع  بيوتهم. وللمرة الانية تلقت مدام كلارا المبلغ بهذه الوريقات السخيفة التي فقدت بدورها قيمتها بعد مدة تقل عن سنتين. وعندما شارفت على التسعين كانت قد فقدت كل ممتلكاتها الدنيوية التي بذلت في سبيلها الجهد الجهيد، لتسكن حجرة مفروشة في شارع.
وعندها فقط جاء الموت المتأخر عشرة بل عشرين عاما في شكل مرض سرطاني قبض على حنجرتها فسلبها الرغبة في الطعام ثم القدرة على النطق، بحيث لم يعد بامكانها الاحتجاج ولو بكلمة واحدة عندما اودعوها في مستشفى "نزل الرب" حيث وضعوها في نفس القاعة المزدحمة بمئات المرضى المشرفين على الموت، حيث مات زوجها .. وعندما ماتت نقلوها مرافقة برنين جرس خافت الى المقبرة التي تبعد ما يقارب ميل واودعت في مثواها الاخير.
***
اما غرينوي فقد انتقل لعمل مع دباغ. مع النظرة الاولى التي القاها غرينوي عرف ان هذا الرجل لن يتورع عن ضربه حتى الموت لابسط عصيان قد يصدر منه. وهكذا انكمش على نفسه وبمرور الايام ازداد انغلاقه على نفسه، كابتا في اعماقة الرفض والتمرد الذي يعتلج في صدره. كان يتلقى الامر فينفذه في الحال.
في  الحواري المتفرعة من شارع سان جان ومن شارع سان مارتان كان الناس يعيشون الى جانب بعضهم بكثافة كبيرة بحيث تزاحمت البنايات فبلغت الى ارتفاع خمسة الى ستة طوابق حاجبة عن الانسان رؤية السماء، كما كاد الهواء بالاسفل يتجمد من كثرة الروائح فاختلطت روائح البشر بروائح الحيوانات الى جانب السديم المتشكل من ابخرة الطعام والمياه والاحجار والرماد والغبار والقش الرطب والجاف. لتكون خليطا لا مرئي يملأ الازقة ..اما غرينوي فقد شم كل شئ وكأنها المرة الاولى وهو لم يشم خليط الروائح في كليته بل حلله الى تفرعاته وجزئياته الاصغر فالاصغر. كان انفه الحساس قادرا على فك الكتلة المؤلفة من الروائح الى خيوط روائحها البسيطة وكم كانت متعته هائلة بلف هذه الخيوط واعادة نسجها على هواه. كان كثيرا ما يقف متكئا على جدار احد البيوت بعينين نصف مغمضتين وفم نصف مفتوح ومنخارين منتفخين، متربصا كسمكة مفترسة في عتمة المياه الجارية ببطء. وقف على لسان "ساحة " الذي كان يبدو كلسان هائل يلحس ماء النهر، فهنا كانت ترسو السفن التي تفوح منها روائح الفحم والحشائش الجافة والحبال الندية.
شم ايضا روائح فاخرة ومركبة من المسك والنرجس والياسمين. روائح تخلفها عربات النبلاء وراءها كوشاح ثقيل يداعبه النسيم. لم تختلف قيمة الروائح لديه ولم يعرف بعد ما هو الطيب منها وما هو الكريه. ولم يتوقف لحظة عن تصنيع مركبات عطرية جديدة في مخيلته. لم يكن غرينوي قد امتلك بعدج مبدأ جماليا كدليل لعملياته بعد. فجاءت ابتكارالته غريبة شاذة . سرعان ما كات يخربها كطفل يلعب لعبة البناء مجددا ومخربا دون مبدأ ابداعي واضح. 

19 يوليو 2016

لقيطة اسطانبول

لقيطة اسطنبوللقيطة اسطنبول by Elif Shafak
My rating: 4 of 5 stars

الموضوعات السائدة في هذه الرواية هي:البحث عن الماضي، الهروب من الماضي، التأمل في جمال الطبيعة والموضوعات العائلية الاعتيادية بالاضافة الى الحديث عن الإبادة الجماعية للأرمن. القصة مصاغة بشكل جيد الى حد ما: الشخصيات، طلب هداية الارواح الراحلة، والسفر عبر الزمن، والفوضى المتشابكة من المصادفات السعيدة والتعيسة. ولكن الكتاب يستحق القراءة مع ذلك لمحتواه القيّم. شفاك تتفاخر باعتقالها عام 2006 نتيجة لنشر الكتاب - لذلك اعتقد أن القارئ سيستمتع بهذا الكتاب طالما كان على استعداد ليعرف ان: أ) الأرمن الأمريكيين لا ينسون ما فعله بهم الأتراك، ب) الأتراك إما انهم لا يصدقون انه يوجد إبادة جماعية حدثت أو لا يفهمون لماذا حدثت ولماذا لا تزال وصمة لهم.
الرواية تطرح بعض النقاط المثيرة للاهتمام ومثيرة للتفكير. على الرغم من أن شفاك تجعل من القضية الأرمنية عام 1915 واحدة من الاحداث التي تعتصر القلب اعتصارا. اللاجئين الأرمن - على وجه التحديد، الأرمن الأمريكيين - بعد 90 عاما ما زالوا يناضلون، لأن تركيا لا تزال تنفي الويلات التي عاناها أسلافهم على ايديهم. الأتراك، في الوقت نفسه، يمكن أن يشعروا بالتعاطف الكبير للأرمن. على سبيل المثال، كازانسي تصور تجربة الألم الشديد عند سماعها بتاريخ عائلة ارمانوش. انهم ببساطة لا يرون ان لهم أي علاقة بكل ما حدث – لقد ارتكبت جرائم سابقة ضد الأرمن على يد الأتراك العثمانيين. حسنا "هم" العثمانيين اما نحن ف "اننا" الأتراك المعاصرون. انظر أيضا لدينا نظام حكم غاشم من الماضي. ومن هنا المأزق: الأرمن ينطلقون للبحث عن الإقرار او الاعتراف (إن لم يكن التعويض)، ويمكن أن الأتراك يقدمون التعاطف لهم (وان كان يوجد فئة تعلن ان أي من هذه الإبادة الجماعية لم تحدث يوما). شخصية اسيا التي تتهرب من الماضي فاذا به يقف مقابلها وشخصية ارمانوش التي تبحث عن الماضي فاذ به يتسرب من يديها.. انها ملاحظة مثيرة للاهتمام تلقي الضوء على العديد من المجتمعات العرقية والثقافية التي تعيش علاقات حديثة في جميع أنحاء العالم: اليابان مقابل امريكا, الالمان ضد امريكا، اليابان ضد الصين .. صراع المظلوم الذي يشعر بالقهر، والظالم سابقا الذي يريد النسيان:
رويدا يتضح من الكتاب ان ارمانوش التي ربما كانت تنتظر اعتراف بالذنب، إن لم يكن تقديم اعتذار. وبعد هذا الاعتذار الذي لم يأتي، وليس لأنهم لم يشعرون به، لأنه بدا وكأن الاتراك المعاصرون لم يروا ان لهم اي اتصال بينهم وبين مرتكبي تلك الجرائم. انها، باعتبارها أرمينية، والتي تجسد أرواح أجيال وأجيال سابقة: الأرمن والأتراك يعيشون في أطر زمنية مختلفة. بالنسبة للأرمن، الوقت له دورة : الماضي المتجسد في الحاضر والحاضر الذي يولد في المستقبل. بالنسبة للأتراك، الوقت خط متعدد القمم، حيث ينتهى الصعود في مرحلة محددة والحاضر يبدأ من جديد من نقطة الصفر، وليس هناك اتصال بينهما، ولكن فجوة (القطيعة) بينهما. (ص164-165)>

بغض النظر عن نقاط الضعف والتي يمكن تنحيتها جانبا، فان "لقيطة (إبنة حرام او زنا) اسطنبول" هي رواية سلسة يمكن قراءتها والاستمتاع بها. مع بذل جهد لتوضيح الخلط - بالأخبار المتعلقة أكثر بتركيا. وبالتأكيد الرواية تستحق القراءة، وخاصة بالنسبة للمهتمين بالثقافة التركية أو الأرمينية.


View all my reviews

19 مايو 2016

رواية "صوت من الريح" - مراجعة

صوت فى الريح - الجزء الأول #علامة الأسد

My rating: 5 of 5 stars

سؤال شائع يخطر على ذهن اي شخص يقرأ هذه الرواية هل هذا الرواية لها بعد ديني؟ الاجابة بكلمة واحدة بسيطة ستكون: "نعم." هذه الرواية رواية مسيحية عن الفترة الزمنية التي سجل فيها الكتاب المقدس (العهد الجديد). وتوجد اشارات للكتاب المقدس في جميع فصول القصة: الاسماء – البلاد – الاحداث ....

فكرة عن الرواية:
تدور احداث القصة حوالي عام 70م او بعد 40 عاما من صلب المسيح، حيث كان اتباع يسوع يتعرضون للاضطهاد. كونك مسيحيا كان شيئا مخيفا خلال تلك الفترة، لأنه إذا اكتشف ذلك فهذا يعني أن تكون طعاما للأسود للترفيه عن الرومان.

لفهم رواية "صوت في الرياح" من المهم أن نعرف قليلا عن الشخصيات الأربعة الرئيسية في القصة.

شخصيات الرواية:
هداسا او هدّسة: فتاة يهودية صغيرة قتل أهلها اثناء خراب اورشليم على يدي تيطس القائد الروماني. سبيت هداسا من وطنها وبيعت كعبدة او امة. انها قد ولدت يهودية (اليهودية تعني على حد سواء الجنسية والدين)، ولا أحد كان يشك أنها مسيحية. لم يكن ينظر إليها على أنها تشكل تهديدا بسبب مظهرها العادي البسيط، ولكن جمالها الداخلي كان يجذب الناس لها. انها أيضا عبدة لسيدة تدعى جوليا.

ماركوس فاليريان: هو شاب ثري في أوائل 20 العشرينات من عمره. في عالمنا المعاصر كان يعتبر "داعر"، لأنه كان يعرف نساء كثيرات. انه وسيم جدا ولديه ثقة كبيرة في نفسه.

جوليا فاليريان: أخت ماركوس، فتاة في سن المراهقة. فاسدة، أنانية، وفتاة عابثة. لديها قدر كبير من الجمال الخارجي كان موضعا لحسد العديد من النساء ومحط انظار كثير من الرجال.

اتريتاس: كان محاربا في بلاده، سبي من بلاده واجبر على المصارعة. وكان يعامل مثل الحيوان. وضع في قفص وأجبر على القتال والقتل للبقاء على قيد الحياة. كان ذلك يتم كنوع من الرياضة والعروض الرياضية التي تقدم في المسارح الرومانية انذاك من أجل إمتاع وتسلية الرومان. امتلأ قلبه بالكراهية من الرومان وما فعلوه به من اسره واذلاله.

نقد الرواية:
في العموم أحببت الجزء الأول من الرواية، والذي يصوّر سقوط اورشليم وايضا يصوّر انتقال هداسا الى العبودية الرومانية. كنت منذ عدة سنوات مهتما بهذه الفترة الزمنية التي سجلت في "خراب اورشليم" والذي صورفي رواية "مذكرات يوسيفوس".

كان لدي من قبل صورا مخزنة في اذهاننا عن الحقيقة التاريخية الخاصة بأن المنهزمين في الحروب يصبحون عبيدا للغزاة، ولكن وصف "فرانسين ريفرز" المثير، جعل الرعب واقعا ملموسا وعمّق صدمة تلك الصور بطريقة لم أفكر بها من قبل. اعتقد ان اي قارئ لهذه الفصول الاولى لا يشعر الا والدموع تفر من عينيه حين يفكر في عدد الأشخاص الذين عانوا من دمار وخراب اورشليم على ايدي الرومان. كما أنني وجدت تصويرا مثيرا للاهتمام بروما القديمة. أنا مبهور بالطريقة التي صورت الروائية بها للقارئ كم الفساد والشر الذي كان يسود في المدينة، دون أي تشتيت لذهن القارئ بالخوض في الكثير من التفاصيل. وهذه الجزئية هامة للدراسة لاي مجتمع يقبع الفساد داخله لفترة من الوقت قبل أن يتحول إلى مجتمع يرتدي ثيابا من الفضيلة ويتجاهل الفساد به.

ومع ان الفصول الاول كانت تراجيدية بشكل هائل الا ان الرواية تمتلئ في الفصول اللاحقة بخضم من المشاعر الانسانية على اختلاف انواعها وخاصة الرومانسية ويمكننا القول ان "ريفرز" كانت ناجحة كروائية رومانسية قبل اعتناقها المسيحية، وتستعرض في الرواية هذه المقدرة والموهبة الخاصة.
على المستوى الروحي، صورت فرانسين صراع هداسا مع مشاعر الخوف من الكشف عن هويتها المسيحية ومشاركة البشارة بالإنجيل مع الاخرين، رغم الظروف القاسية التي مرت بها من اضطهاد الرومان للمسيحيين في تلك الفترة، ولكن يا لها من نعمة أنها كانت قادرة على مواجهة هذا العنف وقسوة العبودية دون أي ضرر نفسي يعيقها عن الاستجابة كمسيحية لدعوة مشاركة الانجيل مع الوثنيين! ولكن، ومع ذلك، نقول ان الكمال أو شبه الكمال في الأبطال والبطلات هي العنصر الرئيسي في هذا النوع الرومانسي من الروايات.
لذلك، كانت مشاعري تجاه رواية "صوت في الرياح" مختلطة. هل الرواية اعجبتني؟ نعم. واتشوق لقراءة باقي اعمال الروائية المبدعة فرانسين.


9 مايو 2016

صوت في الريح



"لماذا تواظبين على التعبد لاله تخلى عنك؟"
فاجأها سؤاله، فرفعت نظرها اليها ولم تنبث ببنت شفة. اما هو فقد تابع كلامه قائلا: "عليك ان تختاري الها آخر ألطف بك من الاله غير المنظور الذي كنت منبطحة امامه قبل قليل".
احمر وجهها وفكرت، كم مضى من الوقت وهو يراقبها؟ لقد التمست عزلة الحديقة في الليل،ظانة انها ستحظى بخصوصية ،وان واحدا لن يراها هناك.
"حسنا ألا تستطيعين ان تجيبي؟"
اجابت متلعثمة: "ان الهي لم يتخلى عني يا سيدي".
فضحك ساخرا: "مدينتك المقدسة (اورشليم) خربة ، وشعبك مشتتون على وجه الارض، وانت عبدة. كل هذا وتقولين ان الهك لم يتخل عنك؟"
فأطرقت رأسها.
"انظري اليّ يا هدسة الصغيرة". واذا امتثلت لامره، اذهلته عيناها الداكنتان في ذلك الوجه البيضاوي الصغير. "اما يهمك انك فقدت حريتك"
"جميعنا نخدم شخصا ما او شيئا ما"
فابتسم. "افتراض يثير الاهتمام. ويا ترى من اخدم انا؟"
ولما بدت اشد جبنا ان تجيب. قال لها بلطف متناه: "لست انوي ان اؤذيك. هيا اجيبي. برأيك ، من اخدم انا؟"
"روما"
اضحكه ذلك وقال مكررا: "روما" ثم اضاف: "اذا كنا جميعا نخدم شيئا ما، فانا اخدم رغباتي وطموحاتي". وبينما هو يسترسل تساءل في نفسه عن سبب اعترافه بهذا لمجرد فتاة عبدة. وازعجه ان تنظر اليه فتاة عبدة نظرة اقرب الى الشفقة، فقال مستهزئا: "هذه غاية الحياة ، اليس كذلك؟ ان تسعي الى السعادة وتحصلي عليها اينما وكيفما استطعت. فما رأيك؟"
"لست اعتقد ان غاية الحياة هي ان يكون المرء سعيدا، بل ان يخدم. ان يكون نافعا".
فقال: "بالنسبة الى عبدة، هذا الكلام صحيح". ثم حول عينيه عنها وهو شاعر انه مرهق .. مرهق حتى عظامه.
"ألسنا جميعا مستعبدين لشئ نتعبد له" وجعلت هذه الكلمات رأسه يدور نحوها من جديد.
"اذا بكلماتك انا اخدم نفسي فانا عبد لنفسي".
تراجعت خطوة الى الوراء والدم يتلاشى من وجهها. "التمس عفوك، يا سيدي. لست فيلسوفة".
"لا تنسحبي الان يا هدسة.حدثيني بعد حتى اتسلى"
"ما انا حتى تسألني عن اي شئ؟ ألديّ اي حكمة انقلها اليك؟ انا مجرد عبدة"
ان ما قالته صحيح، فاي اجوبة تمتلكها عبدة حتى تقدمها اليه؟ ولماذا بقى في الحديقة معها؟ لقد ضايقه شيئا ما، وهو اراد فعلا ان يعرف منها شيئا. اراد ان يسألها عن سبب تمتعها بسيماء السلام رغم ما كابدته من الام. ولكنه بدلا من ذلك قال بحدة : "وهل كان ابوك عبد ايضا؟"
"نعم"
"وبماذا آمن؟"
"امن بالحب"
اجفل. لقد سمع هذه الكلمة مرارا من صديقته "اريا". انه يعرف كل شئ عن الحب. وقد تركه الحب منهكا وخايا. كان في وسعه ان يغرق في الحب ولكن حين ينتهي يجد نفسه ما زال جائعا.. جائعا الى شئ ما لا يستطيع تحديده. لا، ليس الحب هو الحل.بل ربما كان الامر كما اعتقد دائما:"القوة". القوة تأتي بالسلام، والمال يأتي بالقوة.
لماذا فكر ان يتعلم شيئا من هذه الفتاة؟ انه يعرف الجواب، اليس كذلك؟ لذلك اجاب بجفاء: "يمكنك ان ترجعي للبيت".
ان مرقس فاليريوس كان يملك كل ما يمكن ان يقدمه العالم لرجل. ومع ذلك ها هو واقف هناك صامتا ومحروما على نحو يدعو للعجب. اكأن كل تكبره وغناه علامة على عذاب داخلي؟
وادركت هدسة عذابه ولكنها كيف يمكنها ان تعلم روماني عن الله، هي تعلم ما عمله نيرون. قالت برقة:"عسى ان تدرك السلام يا سيدي" ومضت.
اما مرقس فقد راقبها حتى غابت عن نظره.

عن رواية "صوت في الريح" - فرانسين ريفرز
==
عن رواية "صوت من الريح" - فرانسين ريفرز

4 مارس 2016

من مذكرات سجين


لقاء بعض الجنيهات القليلة حصلت من بائع الروبابكية الذي اتي ليأخذ مخلفات الراحل على عدة دفاتر قديمة واوراق مهملة. مضيت باوراقه هذه الى البيت وامضيت اليوم بكاملهه في فرزها. ثلاثة ارباع هذه الاوراق كانت عديمة الجدوى، قصاصات لا اهمية لها. ولكن ما لبت ان عثرت توا على دفتر كبير الحجم الى حد ما مغطى بكتابة دقيقة الخط وغير مكتملة، ربما اهمله او نسيه صاحبه ذاته. انه سرد وان كان غير مترابط، للسنوات العشر الاخيرة من حياته.
وفي بعض الامكنة كان هذا السرد متقطعا بقصة اخرى، وذكريات غريبة ورهيبة، متناثرة بصورة مضطربة. اعدت قراءة هذه المقاطع عدة مرات وتيقنت تقريبا انها مكتوبة في لحظات جنون. بدت لي غير خالية من المنفعة. عالم جديد تماما، غير معروف حتى الان، غرابة ورؤية مختلفة للحياة. شغفت بكل هذا فقرأت بنوع من الفضول. قرأت التالي:
".. ثم هناك من الرجال المساكين الذين يرتكبون جرائم من اجل ان يرسلوا الى السجن ويتخلصوا بذلك من حرية اشق بما لا يقاس من السجن. لقد عاشوا قبل المجئ للسجن حياة بائسة وتعيسة ولم يأكلوا حتى الشبع ، قتلوا انفسهم بمشقة العمل دون ان يغتنوا بل اغتني على حسابهم ارباب اعمالهم. لذلك فهم حين يأتون الي سجن الاشغال الشاقة يعتبرون العمل اقل مشقة واقل صعوبة، يأكلون ملء بطونهم، افضل مما تمنوا يوما. وفي ايام الاعياد يأكلون لحما. ثم هناك عمل المساء الذي يدر عليهم بعض المال. ثم هناك المجتمع الجديد الذي يتعرفون عليه في السجن وقد ينظر الوافد الجديد منهم ليجد نفسه وسط افضل صحبة في العالم..

ان المثقف الذي حكم عليه القانون بالعقوبة نفسها التي حكم بها على رجل بسيط من الطبقة الكادحة، يتألم بما لا يقاس بألم هذا الرجل الاخير. ينبغي عليه ان يحتمل حياة ادنى، لا يرتضيها، انه يتعود استنشاق هواء اخر.. انه سمكة ملقاة على الرمل! ان العقاب الذي يتلقاه يعادل عقوبات السجناء جميعا، تبعا لروح القانون، وهو في بعض الاحيان اشد ايلاما وتعذيبا له بمقدار عشرة اضعاف ما يعانيه الرجل العادي.هذه حقيقة لا جدال فيها! 

احد السجناء الذي لفت انتباهي حين وصولي، مزاجه الرائق كان لا يفارقه ابدا، ولم تكن حياة السجن تبدو شاقة كثيرا، بينما كان اخر – وهو من الطبقة الراقية المثقفة - ذو منظر يستدر الشفقة، وكانت صحته تضعف يوما بعد يوم. تلك الافكار عصفت بذهني بعد وصولي الى السجن بأيام قليلة، وسط هواء موبوء وشتائم بذيئة مصحوبة بسباب وضحكات هيستيرية وضوضاء لا تنقطع. استلقيت فوق سرير مسندا رأسي الى وسادة من ثيابي "لم تكن لي وسادة بعد" . وسرحت بافكاري المتتابعة.. ان حياتي الجديدة لم تبدأ الا الان. وكان المستقبل يخبئ لي اشياء كثيرة لم تكن في الحسبان..

ها انا قد وصلت الى السجن، الميناء الذي سأرسو فيه سنينا طويلة. هنا الركن الذي عليّ ان اعيش فيه، انني ادخل اليه منقبض القلب، تموج النفس باحاسيس الارتياب والحذر. ومن يدري؟ حينما سأغادره – لو اطال الله في عمري – هل ساتأسف عليه كما فعل البعض ممن اعرفهم؟ ان المرء قد يفعل ذلك مدفوعا بتلك اللذة الغريبة التي تدفع المرء الى ان ينكأ جراحه، وكأنه يستعذب الالم.

ان النظرات الفضولية الحاقدة التي كان يراقبني بها بعض رفاقي السجناء، من قساة القلوب، كانت تثير حفيظتي في البداية الى حد ان تمنيت ان اعيش مثلهم وان اسقط معهم في الهاوية ذاتها. ولم استطع ان اميز سريعا بين عداواتهم العامة لكل شئ ولكل احد، ومودتهم نحو رفقائهم. لذلك فان ما احاطني به بعض السجناء من مودة وبشاشة اعاد لي قليلا من الشجاعة وانعش نفسي. وسرعان ما لاحظت بعض الوجوه الوديعة والطيبة وسط ذلك الحشد القاتم والحقود من السجناء الاشرار. وسارعت الى القول لنفسي على سبيل العزاء: "في كل مكان على الارض يوجد اشرار. ومن يدري؟ قد لا يكون هؤلاء الاشرار اسوأ من اخرين الاحرار الطلقاء، وقد يكون فيهم هم ايضا بعض الخير". هكذا كنت افكر وانا اهزّ رأسي، ومع ذلك، لم اعرف الى اي مدى كنت على حق. 

لا يحتاج السجين ان يكون غنيا لكي يعد له طعاما خاصا: كنت انفق على طعامي كل ما اتحصل عليه من عملي الاضافي. وطوال عدة سنوات ظل احد رفاقي ويدعي "فريد" يعد لي شريحة لحم مرتين كل اسبوع. اغرب ما في الامر انني لم اتبادل معه ربما كلمتين، طوال تلك المدة. حاولت اكثر من مرة اجراء حوار معه لكنه كان عاجزا عن اجراء اي حوار، كان يكتفي بالابتسام والجواب بنعم او لا عن كل الاسئلة. كان هذا الرجل شديد الغرابة، هذا الرجل الذي له جسم هرقل وعقل طفل في السابعة من العمر.

كان "فاضل" ايضا في عداد اصدقائي. لم اتقرب اليه ولم اسع يوما الي مصادقته، ولكنه ارتبط بي بمحض الصدفة ولا اذكر حتى في اية لحظة. كان يقوم بغلي الماء في غلاية الشاي لي، ويركض لتنفيذ الاعمال التي اطلب منه القيام بها، واعداد كل ما يراني محتاج اليه، فيعتني بكي ملابسي.. وكان يفعل ذلك بحماس وانهماك كما لو كان يحس بأن هذا من واجباته، كنت احسه وكأنه ربط مصيره بمصيري، فأخذ يهتم بكل ما يعنيني وكان يقول فبدلا من ان يقول "لديك قمصان كثيرة .. ملابسك تحتاج الى كي" كان يقول "لدينا قمصان كثيرة.. ملابسنا تحتاج الى كي". وكان كأنه لم يكن يرى شيئا جميلا غيري، بل اظن انني اصبحت الهدف الوحيد في حياته كلها.

وبما انه لم يكن يعرف اية مهنة فلم يكن له غير المال الذي اعطيه له، من مال ضئيل طبعا. الا انه كان راضيا دائما. واعتقد انه ما كان يمكن ان يعيش دون ان يخدم احدا، وقد فضّلني لانني كنت الطف السجناء معه واكثرهم مكافأة له. ما يميز امثال هذا الرجل هو الغياب التام لشخصياتهم، اذ انهم انهم يفقدونها في اي مكان وزمان، وهم دائما في مكانة ثانية وثالثة. وهذه فطرة فيهم. كنت لا استطيع النظر اليه دون ان يختلج قلبي بالشفقة نحوه." 

عن رواية مذكرات من البيت الميت - دوستويفسكي