‏إظهار الرسائل ذات التسميات تولستوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تولستوي. إظهار كافة الرسائل

12 يناير 2016

موت ايفان ايليتش


تولستوي من اروع الادباء الذين يمكن ان تقرأ لهم بدءا من رواية "الحرب والسلام" انتهاءا بهذه الرواية التي تسرد قصة وفاة احد الاشخاص المرموقين، من خلال هذه الرواية يعكس تولستوي معنى الحياة. انه يريد ان يطرح هذا السؤال، هل هناك فعلا معنى للحياة؟ هل هناك ما يجعل الحياة تستحق ان تعاش؟ انها قصة حزينة ولكنها مليئة بالمعاني والدروس العظيمة.

عندما بدأت قراءة هذه الرواية لم اكن اتوقع ان استمتع فعلا بقراءتها. لكن ما ان وصلت حتى الفصل الرابع لم استطع ان اترك الرواية. هذه الرواية سهلة جدا في قراءتها لأنها ليست طويلة اذ يقع حجمها بين القصة والرواية. كان تولستوي بارعا في سرده، موجزا جدا في عباراته، وكل المواقف الثانوية الواردة ذات صلة مباشرة بالموضوع الاساسي ومكتوبة بشكل جميل. اعتقد ان تولستوي يضع خبراته في الحياة في هذه القصة. 

يصف تولستوي مرض إيفان إيليتش بطريقة تجعل القارئ يشعر تقريبا بما كان عليه حال ايفان. كان إيفان إيليتش موظفا حكوميا في مرتبة عالية في الحكومة ابان حكم القياصرة في القرن التاسع عشر في روسيا. كان لديه كل مظاهر "الحياة الناجحة": عائلة محترمة، وظيفة مرموقة، منزل جميل. وهو قبل كل شئ طيب النوايا والمقاصد في الحياة. ولكنه هل كان يعيش حقا؟

عندما يشعر باقتراب الموت منه يبدأ في التفكير جديا كيف كان يجب أن يعيش. انه كان يحيا منجرفا مع تيار الحياة بنمط معيشة معين. قبل هذا النمط من الحياة دون تفكير مدفوعا بلهفة شديدة لتسلق السلم الاجتماعي. انه يسلك الطريق البيروقراطي في حياته المهنية. مواطن بارز، متزوج ، على صلة بصفوة المجتمع. حقق قائمة واسعة من الإنجازات، ولكنه يجد الموت يقرع على بابه في احد الايام. فكيف يقابله؟

الشئ نفسه دائما: فتارة بريق امل وتارة اخرى عاصفة يأس، ودائما هذا الالم وهذا القلق. الشئ نفسه دائما.
الوحدة تعذبه، ولكنه يعلم مسبقا انه ان جاء احد الاشخاص (ليسليه) ساءت الحال ايضا.
فما ان بدأت سلسلة الاحداث التي آلت في النهاية الى ايفان حتى تبددت الان امام عينيه جميع الافراح التي عاشها والتي بدت انذاك افراحا ولكنها تحولت الآن الى شئ تافه وحقير. 

تولستوي يصف ببراعة مشاعر ايفان:
  1. يصف معنوياته التي تضعف بالتدريج امام المرض غير القابل للشفاء. الوضع النفسي السئ الذي يعجز عن الهروب منه.
  2. ويصف ايضا شعوره تجاه زوجته التي اصبحت كيانا متجسدا لالامه – كيانا يمشي ويتنفس مجسدا لهذا الألم. لم يعد يطيق رؤيتها، وصوتها، ورائحتها. انها كابوس بالنسبة لرجل على حافة الموت.
  3. ثم يصف مشاعر ايفان تجاه الذين حوله - انه يشعر انه اصبح عبئا على من حوله؛ شاعرا ان الجميع ينتظرون فقط أن يموت.
  4. يصف مشاعره وهو مضطر للاعتماد على اخرين للمساعدة في تخفيف معاناته. يصف مشاعره تجاه الاطباء الذين لجأ اليهم ليداووه او ليخففوا من الامه. ثم مع تقدم مرض ايفان الغامض يبدأ في تقبل المساعدة من عبده الذي اظهر له الرعاية الكاملة بانكار حقيقي للذات. 
  5. يصف مشاعره وهو يصارع مع الوجود، ومع الله ... "لماذا انا؟ لماذا يحدث هذا لي!"
  6. واخيرا يصف مشاعره تجاه الالم والموت ذاته، حين يقول: "تعال ايها الالم. تعال ايها الموت!"

في البداية، يقابل الموت بعدائية ثم بتسليم للقدر - يواجه إيفان موته الوشيك، بالانكار اولا، ثم يتحول الإنكار إلى غمرة اليأس وهو يتصور العالم يسير بدون ان يكون جزءا منه. انه يجد ان عائلته والمقربين ينظرون إليه بعين الشفقة الى درجة ما، ولكنهم يبقون غير مبالين وبعيدين عن الاحساس بمعاناته.

ولكن بعد ذلك في نهاية صراع طويل مع المرض والتعب النفسي، يجد ما نحن جميعا نأمل في العثور عليه، يجد السلام. انه يرى أن الموت ليس هو نهاية الحياة، ولكنه بدايتها. حينما كنت صغيرا كنت أعرف النجوم، كنت أحبها واحفظ أسماءها: الزهرة، الجوزاء، الدبان - الدب الاكبر والاصغر.. الخ. كيف امكنني أن أحب تلك الأضواء رغم ما تبدو عليه من ضعف وخفوت ورغم بعدها الشاسع عني؟ كيف استطاع ايفان ان يحب الموت- هذا الشئ البارد القاسي والضيف الثقيل. حتى انه يخاطبه في النهاية : 

"تعال ايها الالم. تعال ايها الموت!"

إيفان ينظر للموت بعين الإحباط وليس الخوف. لقد صعقه أن يرى حياته تختزل إلى قائمة تافهة من الاعمال التي يقوم بها بشعور سخيف من صنع الواجب جاعلا وقته في هذا العالم حتى أقل من قصة تحكى للاطفال قبل النوم. "موت إيفان" اذا يضع القارئ في مواجهة مع موته هو. يكشف ايفان النقاب عن الطبيعة المتقلبة، الجامحة والغامضة، ويكتشف ما يفوق محدودية وجوده.

تولستوي يقدم انعكاسا رزينا لعجز البشرية في سبر غور المرض والالم والموت. انه يلقي فلاش باك في شكل الراوي الملم بكل التفاصيل الظاهرية والباطنية لايفان، ويروي قصة وفاة هذا الرجل بطريقة مفصلة، ويحاول ان يصف الالام الجسدية والروحية والنفسية بتفصيل مؤلم في قصة واقعية مؤثرة.

قال احدهم:

في كل مرة اعيد قراءة رواية تولستوي "موت إيفان" أقرأها بشكل مختلف. حين كنت طالبا جامعيا قرأتها كأنها وصف لتجربة شخص مسن، واتصورها تجربة بعيدة، غير واقعية تقريبا، غريبة، سريالية. قرأتها مرة أخرى خلال سنوات عملي كطبيب، أعجبت بعبقرية تولستوي لوصف مراحل الحزن، وبعد ذلك مشاعر الغضب، وكيف كان مرضاي لهم تجارب مماثلة، كما أعتقد، محاولا أن اكون أكثر صدقا وحساسية من الأطباء الوارد ذكرهم في القصة.
الآن، وانا طبيب متقاعد في العقد السابع من عمري، أجد أنني اراها بشكل مختلف، أن إيفان وهو رجل في الأربعينات من عمره عند وفاته، تسامح مع مواقف أصدقائه وأفراد أسرته، وبدأ مراجعة جادة لحياته وتقييمها، والاستجابة لالحاح السؤال عن معنى الحياة وعن ماهية الموت. 

تولستوي يضعنا وجها لوجه، مع الموت، مع الحياة؛ الحياة الحقيقية مقابل الحياة الزائفة. انه يفعل لك كما لم يفعله أي كاتب آخر من قبل. انه يسمح للقصة لتلقي كامل ثقلها على القارئ وتسرد بنفسها. تولستوي لا يضيع الوقت في الولوج سريعا في رحلة حياة إيفان وتحولها من الحياة التقليدية لمواجهة ما يختبئ وراء الحياة، اعني الموت. عن طريق الاختباء من الموت وجد ايفان نفسه أيضا يختبئ من الحياة. لقد وجد انه بمسح الزجاج او المرآة وتلميعه ليظهر بوضوح بريقه. وجد انه يعكس ما هو الموت وما هي الحياة الزائفة، ليترك الباب مفتوحا أمام فرصة رؤية الحياة الحقيقية وعيش ما هو حق. أنه يفتح إمكانية رؤية الموت ككيان مستقل في حد ذاته.

ايفان الذي يدرك قبل موته بساعات فقط أنّه بسبب خضوعه لدوره الرتيب في مسرحية المجتمع و توزيعه الطبقي و الوظيفي كان قد أمضى حياته كما لا يجب أن تكون- حياة خاليةً من العواطف و الحميمية و مليئة بالأخطاء حتى، سلّم نفسه للموت مرتاحاً حين أدرك أنّ حياته لم تكن غير موت طويل و أنيق 

6 يناير 2016

انّا كارنين


قال الكثير من النقاد ومن بينهم فيليب يانسي في كتابه "اكثر 13 شخصية اثرت فيّ"، ان روايتي "الحرب والسلم" و"انّا كارنين" من اعظم ما كتب تولستوي. لم ادرك السبب الا بعدما قرأت رواية انّا كارنين.

هذه الرواية تجعلك تدخل الى عمق المشاعر الانسانية، في اعمق العلاقات، اقصد علاقتي الزواج والامومة. علاقة الزواج متمثلة في علاقة انّا بزوجها كارنين، وعلاقة الامومة متمثلة في علاقتها بابنها سيرجي. 

هناك مقولة تقول "ينبغي ان نعلم ان قرار الزواج على مستوى الافراد هو في نفس خطورة قرار شن الحروب على مستوى الدول". كنت اعتبر هذه المقولة فيها مبالغة. ولم ادرك حقيقتها الا بعد قراءة الرواية. في سني الطفولة والشباب لا ندرك الحياة بكل تعقيداتها وفي العموم نرسم صورة حالمة عن الزواج، حتى اننا ننظر بسذاجة و سطحية الى الخلافات الزوجية.. ونسأل في دهشة عن الاسباب، وحين نعرف الاسباب في بعض الحالات تزداد دهشتنا..

لست اقصد من كلامي التعقيد او التهويل من الامر، ولكن ينبغي ايضا الا نهوّن من شأن هذا القرار المصيري اي قرار اختيار شريك الحياة. قال البابا شنودة الثالث مازحا حين كان يسأل عن قانون الاحوال الشخصية "انها الاهوال الشخصية" باستبدال حرف الحاء بالهاء. وقال ايضا البابا تواضروس الثاني حينما سئل عن نفس القانون ان كل مشكلة من مشاكل الاحوال الشخصية، في حد ذاتها، تحتاج الى قانون خاص بها. ولا غرو لأن العلاقات الزوجية تتنوع تنوع البشر انفسهم. فلا يوجد علاقة بين زوجين تشابه علاقة زوجية اخرى. 

حاول تولستوي في رواية انا كارنين ان يلج عميقا اغوار النفس التي لا يسبر اغوارها فاظهر ملمحا من ملامح شخوص الرواية الشديدة التعقيد ويكتنفها الغموض. انك كقارئ تجد نفسك مدفوعا للتفاعل مع الشخصيات في محاولة ومساعدتها لتتخذ قرارا صائبا بازاء امر ما، ولكنك تجد نفسك حائرا مثلها. تقف امام كارنين فلا تعرف ان تسعفه برأي في اتخاذ قراره بشأن علاقته بأنّا، كما لا تعرف ان تصفه بناءا على قرارته التي اتخذها، ومن ثمّ لا تعرف ان تصف نفسك لانك تقف حائرا مثله.. او كما جاء على لسان فرونسكي "ما اعسر زوجك على الفهم! اهو جبان ام شجاع؟ اهو شريف ام خائن؟ اهو قوي ام خائر؟ اهو عاقل ام ابله؟ لابد انه واحد من اثنين، لكن ايهما يا ترى؟ ..

تجد نفسك تتوقف امام شخصية آنا طويلا وتسأل اسئلة كثيرة عن معانى مثل الحب والامومة وعن الالتزام وعن الشجاعة والحكمة في التصرف، وعن التروي في اتخاذ القرارات، عن الصراحة وعن اللياقة، عن مجابهة الواقع وعن الهروب منه ايضا.. الزواج قرار جرئ - ان تتعهد بالالتزام بمحبة شخص مدى الحياة وملازمته في السراء والضراء امر يحتاج الى الكثير من التروي. بلا شك كان قرارا متهورا من انّا ان تترك زوجها. ان تصارحه بأنها لا تحبه وانها تحب شخصا اخر كان امرا مشينا، وكان قرارا ينم عن انانية بغيضة ايضا. لا يوجد ما يسمى بالحب من النظرة الأولى ولذلك فان علاقتها الناشئة مع فرونسكي كان خيارا واعيا، وكامرأة متزوجة ما كان لها ان تخطو تلك الخطوات الكارثية. 

الرواية تجعلك تتأرجح بين التعاطف مع انّا والشفقة عليها كزوجة مهيضة الجناح، وبين احتقارها لتهتكها. موقفها من ابنها يجعلك ترق لها اذ تشعر انك امام ام حقيقية، ثم يأتي موقفها من زوجها كارنين ليجعلك تقف متحيرا اذ تواجه الانسان في ضعفه وتبدل مشاعره. قصتها تجعلك تفكر ألف مرة في مسائل الحب والزواج. والصورة التي صوّرها تولستوي لها تجعلك – ويا للماساة – تتيقن انها ستحيا غير سعيدة على الدوام. انها شخصية حزينة ومأساوية، ولكن ليس بسبب قصة حبها، ولكن بسبب ان كيانها كله اكتنفه الظلام. قصتها تتكرر في كل عصر وكتب التاريخ تحوي في بطونها صور متكررة من مأساتها وان اختلفت في تفاصيلها.

كان تولستوي بارعا في ان يجعلك تكتشف هذه التناقضات في الحياة وفي الشخصيات. تقف امام ام يفيض قلبها رقة وحنانا ازاء ابنها وفي نفس الوقت تهجر زوجها لترتبط بآخر. يصوّر تولستوي ذلك ببراعة في وقفات انسانية مؤثرة. حينما سألها ابنها :
- "اتحبيني يا اماه؟"
ناجت نفسها : "يا الهي كم احبه؟ الا افتديه؟ الا اقدم له حياتي؟"
واغرورقت عيناها بالدموع .. كان ظهور ابنها بمثابة النسمة المنعشة تهب على القلب المهيض فتنفخ الحياة في مواته، وتبدل المه بالامل، وتعطيه القوة والجلد.

كان موقف كارنين ازاء تصريح زوجته بانها تخونه عجيبا. يتخذ تولستوي موقف الراوي للتعليق على رد فعله فيقول:
"ما كان للانسان في اي جيل ان يكنه حقيقة ما جبل عليه الرجل.. كان ملما بالحقيقة ولكنه كان يتجاهلها حتى لا ينهار ويسقط، وهل في طاقته الان ان يتجاهلها؟ هل يستطيع ان يواصل هذا الدور الذي اداه بصبر حتى الان؟
فهل يتكلم؟ وما جدوى الكلام؟ لقد انتهى كل شئ وغدر به الدهر في موطن حساس، فهل يستسلم؟ هل يلقي السلاح؟ ايقضي على مستقبله دون كفاح؟
انه شجاع، وعاطفته ليست كل شئ.. انه يعيش لهدف، وهدفه ان يتقدم ويتقدم باستمرار دون انقطاع.

يجعلك تولستوي متحيرا ازاء تصرف كل شخصية. كما يجعلك متأرجحا في مشاعرك تجاهها: هل تلتمس لها الاعذار ام تدينها باصرار؟ يجعلك ازاء كل تصرف تقلبه على كل وجه لتدرك ابعاده - اسبابه وعواقبه. تدرك الانانية في تصرف كارنين فتمجه ، مثال ذلك حين يعلّق على رد فعل كارنين بعدما عرف بخيانة زوجته:
"وخيل اليه .. انه يحتم عليه الان ان يلاشي قلق نفسه حتى تعود اليه نفسه.. وان ينقي روحه مما علق بها حتى يرجع اليه هدوءه، ويعود اليه اتزان، فيزاول اعماله بما عرف عنه من الهمة والكفاءة.. وسوّلت اليه نفسه ان يتخذ الاجراءات القانونية لتطليق امرأته، ولكن كيف يطيق بعد ذلك رؤيتها تتنقل بين احضان الرجال، انها لن تستطع ان تتزوج بعد طلاقه منها، لأن الكنيسة تحرّم زواج المطلقة.. انه لم يشعر نحوها بالمحبة، ولكنه ايضا لا يرغب في رؤيتها تنحدر الى الدرك الاسفل. اهو الاشفاق ام الانانية؟
انه يحب الانتقام، لقد اكتشف هذا الان..

15 ديسمبر 2015

رواية انّا كارنينا


ابتسم ابتسامة بلهاء وحملق فيها دون ان ينبس ببنت شفا هنيهة ثم راح يقول:
- وهل صادفك التوفيق في مهمتك؟ هل نجحت حيث اخفق غيرك؟" فلاح البشر على محياها واجابت:
"كل التوفيق والحمد لله.. لقد كان الخصام على اشده بين اخي وزوجته ولولا وجودي لانفصل الاثنان وتصدع البنيان وتشتت الاسرة".
طفقت تقص عليه بالتفصيل دقائق رحلتها.. تململ بعد عدة لحظات وقاطعها قائلا:
"على اني مسرور لنجاحك في ازالة الغمامة التي ظللت سماء العائلة". ونظر الى ساعته، واردف: "اما الان فانا ذاهب، يجب ان اذهب الى عملي". فتمتمت بصوت خافت: "لترافقك السلامة يا زوجي العزيز!".
واتبعته بنظرها ، وناجت نفسها: "انه خير الرجال.. افضل الازواج.. كم هو بارع، بارز، مخلص!".
فهل ارادت من كلماتها ان ترجح كفته على كفة سواه؟ هل تحارب احساسا غامضا يصرفها عنه صرفا شديدا؟ ثم انتقلت بمخيلتها الى فرونسكي، فرأته واعجبت به، وتساءل مغضبة: "تبا له لماذا نظر اليّ هكذا؟" وهزت رأسها.

كانت العربة قد وصلت الى المنزل.. وحالما ترجلت انّا امام منزلها هرع اليها ابنها سيرج فضمته اليها في حب وشوق، وطبعت على وجنته قبلة اودعتها اغلى عاطفة، قبلة مخلصة مملوءة شوقا وحنانا.. قبلة ام.
وعادت الى نفسها – هنا مملكتها الصغيرة، ونسيت فرونسكي ، ونسيت تأنيب ضميرها، ونسيت خجلها من سؤال زوجها، وما فكرت الا في بيتها وفي زوجها.

شرعت بعد قليل تسخر من نفسها – كيف تعجب بشاب لم تره الا مرات قليلة؟ ثم كيف تفكر فيه وكلامه ليس فيه اغراء ولا بارقة ذكاء.. وقالت تناجي نفسها: "والاجدر بي ان ازيل من ذاكرتي ما صادفني وما طرق سمعي، فلا احدث زوجي بأمر تافه لا يستأهل التفكير!".

21 يوليو 2015

رسالة من سجين


في الصباح اتجه مفوض الشرطة الى منزل اندريه، طرق الباب، حينما فتح، قال للفتاة الواقفة بالباب:

- ايتها الشابة! اعطني مقصا لاصلح سيارتي، فقد تعطلت امام منزلكم.

حملت الفتاة اليه المقص. كان المقص ملويا. علم المفوض ان المقص من عند اندريه وانه ملوي. لقد كشف له ميشا صديقه كل شئ في اعترافاته امام النيابة، وكيف نفذا جريمة السرقة. فقط كان ينقص القضية الدليل، وهو المقص الذي كان اداة الجريمة.
قال المفوض للفتاة حين اعطته المقص:

- هل هذا المقص لك؟
- هو لنا، هذا مقص ابي.
- واين ابيك؟
- ذهب الى المخزن.
- استدعيه اذا.
كانت الفتاة تجهل كل شئ، فذهبت تنادي اباها. حينما وصل اندريه سأله المفوض بدوره:
- اندريه، لمن هذه الآلة؟
حاول اندريه الانكار، لكن المفوض لم يصغي اليه. وامره بالصعود الى السيارة. وها هم يتجهون مباشرة الى القسم. 
ظل اندريه اثناء التحقيقات، مقطب الحاجبين، صامتا، مبتسما من اطراف شفتيه بين الحين والاخر وهو يرى صديقه يمثل الجريمة التي ارتكباها. وحين انتهى صديقه انهار تماما واعترف هو الاخر بدوره. بعد ذلك انتقل وهو يمشي متثاقلا، الى غرفة الحجز..

في الليلة الاولى التي قضاها بالحبس، ابتهج قلبه بالاكثر وهو يرى نور الشمس يدخل من نافذة ضيقة بالسجن، والذي يدل على ان الشمس تشرق على الارض، وان لم تشرق عليه هو. وكان يتمنى لو كانت له اجنحة يطير بها الى فوق من خلال تلك النافذة ، ليحلق في جو السماء المجيد البعيد.
وفي الصباح الباكر رأى احد رفقاءه في غرفة الحجز جاثيا ومستغرقا في الصلاة.. وحين انهى صلاته سأله بتودد:
- كيف نمت الليلة؟
 وقد كان هذ السؤال وهو علامة مجاملة بسيطة مقبولا ومحببا الى قلب السجين العاثر الحظ، فاجابه وعلامات الارق بادية عليه:
- نمت نوما رديئا ومتعبا، وكيف لي ان اتوقع نوما هنيئا هنا.
اجابه:
- ان من اعتاد ان ينام في سرير مريح على فراش وثير لابد ان يحس بقسوة النوم في هذا الفراش. اما نحن فلاننا تعودنا على النوم في هذا الفراش لم تعد خشونته تؤلمنا.
- اني جد اسف على هذا الكلام الذي تفوهت به في حقك امس.
- لا عليك، اننا لا نستطيع ان نميز اصدقائنا من اعدائنا سريعا.
فصاح وقد داعب قلبه امل كبير:
- ولكنك ستكون صديقي بلا شك ويمكنني ان اثق بك.
***
جاء الحكم عليه وعلى صديقه ميشا بالاعدام لارتكابهما جريمتا سرقة بالاكراه وقتل.
حينما سمع الحكم في جلسة المحاكمة الاخيرة تنهد بعمق، وفرك بيده موضع القلب، ولم ينبث ببنت شفة. وحين عاد الى زنزانته امسك ورقة وقلما وراح يخط خطابه الاخير الى امه:
ايتها الام العزيزة! – وخنقته العبرات – اغفري لي ما سببته لك من ألم. أأخطأت؟ مؤكد... لكني، لا اطلب منك الا شيئا واحدا، ان تغفري لي. لقد كتبت هذا من قبل. لكن لا بأس. فلا وقت لديّ لانسخ ما كتبت – لا تعذبي نفسك من اجلي. اتقدم الموت قليلا ام تأخر قليلا، سيان، أليس كذلك؟ لست اخشى شيئا. لا اجرؤ على تكرار جميع الكلمات التي في قلبي والتي تشد من عزيمتي تهدئني. اغفري لي. اقبل يديك الغاليتين الطاعنتين في السن. اتعلمين يا امي، ان قوة الانجذاب الى كوكبنا الارضي لا تزال كبيرة بشكل مخيف. ان بي شوقا كبيرا للحياة. انني احيانا اتطلع من نافذة السجن الي الخارج ليلا وانظر الى السماء و اتأمل النجوم، انني عالم انني اسير الى القبر و لكنه سيكون من اغلى القبور.. سأغرق روحي بعاطفتي.. انني احب البراعم الغضة في فصل الربيع و احب السماء الزرقاء .. لم اكن اعلم ان الانسان يحب الفترة الاولى من شبابه بهذا المقدار.

17 مايو 2015

خوف وجزع


اخذ يجس نبضها فقالت بكلمات مرتعشة:
- لا فائدة.. الموت يحوم حولي. ان اقتلاع ضرس يخيف، فما بالك باقتلاع الحياة؟!
- وما معنى هذا؟ 
صمتت و انهمرت الدموع على خديها و صمت يورا كذلك. غير انها ما لبثت ان استأنفت حديثها قائلة: 
- انت ماهر. موهوب. فقل لي شيئا يطمئنني.
ترك مقعده .. وراح يذرع الغرفة ثم عاد ليقول:
- اولا سوف تتحسنين. ارى ذلك. و اما عن الموت فسوف تعود الينا الحياة بالقيامة ..
وهكذا راح يحدثها بفلسفته و علمه، ويذكرها برأى احد الفلاسفة الذي يرى ان الموت لا وجود له، لأن الموت هو الماضي، اما نحن ففي الحاضر الخالد الذي لا يموت.
وخلال نوافذ حجرتها ذات الاضاءة الخافتة بدت اصوات المدينة رتيبة كأنها خلية النحل .. ولكنها كانت محطمة القوى، تعتريها الاوهام مصورة لها انها قريبة من الموت، وانها  صارت عبئا على العائلة.. ومنعتها علتها النفسية من مشاركتهم حياتهم العادية.

عن رواية لتولستوي