2 فبراير 2016

مقتطفات من رواية "فهرنهايت 451"


بمناسبة معرض الكتاب هذه الايام ادوّن هذه القصاصات من اسطورة برادبوري "فهرنهايت 451".. صغتها في شكل قصصي، كملخص للرواية.. ليكون هذا حافزا على قراءتك للرواية، التي تعد من اكثر روايات الخيال تشويقا واثارة.

فكرة عن الرواية:
لماذا سميت بهذاالاسم؟ 451 فهرنهايت هي درجة الحررة المثلى لحرق الكتب. فالنار هي الوسيلة المثلى للتخلص من المعرفة والقضاء عليها. اسلوب الرواية ساخر. لاحظ ماذا يقول بيتي في الجزء التالي: "ترى ما الجميل الى هذا الحد في النار؟ العلماء يقولون انها احتكاك الجزيئات، و لا يعلمون ما هي حقا. انها جميلة، وجمالها في انها تدمر التبعات والمسئوليات. كلما تعقدت مشكلة ما فعليك بالمحرقة. والان يا مونتاج انت عبء وسترفع النار عن كاهلي هذا العبء. والان يا مونتاج اريدك انت ان تحرق بيتك بقاذف النار.. اريدك ان تطهر نفسك بنفسك". الهدف من الرواية السخرية اللاذعة من محاولة الرقابة على الفكر - التعريف بالصداقة بين الانسان والكتاب - تصوير رغبة الانسان المستعرة للمعرفة - ابراز موضوع الفضول، وموضوعات اخرى كثيرة صاغها الاديب الانجليزي برادبوري بعبقرية.
يمكنك ان تقرأ اكثر عن الرواية هنـــــــــــــــا
***

فتح مونتاج الباب الموصد، واذ بشلال من الكتب يهوى فوق كتفيه. طارت الكتب فوق كتفيه وكأنها حمامات ترفرف بجناحيها. هوى كتاب على يده وانفتحت صفحة منه. ووسط العجلة وجد وقتا ليقرأ سطرا واحدا، ظل يتوهج في ذهنه وكأنه حفر فيه:

"اخلد الزمن للنوم في شمس الاصيل..".. وسرعان ما هوى كتاب اخر بين يديه. كان الرجال يرمون اليه بالكتب والمجلات والتي بدت كطيور ذبيحة. وما هي الا دقائق معدودة الا وكانوا قد اغرقوا الكتاب بالسائل الحارق من الحاويات التي تحمل رقم 451 على ظهورهم..

صرخ مونتاج في المرأة صاحبة المنزل:
- لسوف يحترق البيت كله. لكن المرأة بقت مرتمية فوق الكتب.
هتف برفاقه:
- ما هذا ! هل تتركونها؟
- ان هؤلاء المجانين يفضلون الموت مع الكتب.. هذا سلوك معتاد..
همّ بالصياح بالمرأة مجددا ولكنها وجدها وقد اخرجت عود ثقاب وعلى وشك اشعاله. فتذكر ان المرأة قالت حين دخل:
- هذا اليوم سنشعل شمعة في انجلترا لن يخمد نورها ابدا.. 

***
اصابه الارق طوال الليل.. عليه ان يتلفظ كلماته بعد الان بطريقة عرائس البانتومايم.. في الصباح شعر بالام شديدة في رأسه وفي عينيه.. ضغط على عينه مكان الالم وهو ينادي زوجته:
- ملدريد، ناوليني من فضلك قرص اسبرين، وكوب ماء.
- ما الذي حدث. انك لم تتناول من قبل قرص اسبرين واحد..
- اشعر بصداع.
صمتت.
- ألن تسأليني ما السبب؟
- لقد كان الامس يوما مرهقا.. تصوري اننا احرقنا بالامس الف كتاب مع امرأة. احرقنا كتبا لدانتي ومرقس اوريليوس.. 
قاطعته:
- وماذا يهم في ذلك. ان الكتب هراء. ان الماجنا كارتا (وثيقة الدستور) يقول ان الناس ولدوا متساوين. والحقيقة انهم لم يولدوا متساوين ، وعلينا نحن ان نجعلهم كذلك.. 
- يبدو ان الحكومة نجحت في تغييب عقولنا. وكأنها تعمل بالقاعدة: ادر عقل الانسان بسرعة في جهاز الطرد المركزي فتتطاير كل الافكار المضيّعة للوقت. اشغل الناس دائما. اعطهم مسابقات يربحون فيها بسهولة. اذا تذكروا اسماء عواصم البلاد او اسماء الاغاني المشهورة. حاول ان تحشو عقولهم بالمعلومات سريعة الاحتراق حتى يشعروا انهم اذكياء. حتى يشعروا انهم يفكرون. هكذا يشعرون بالحركة دون ان يتحركوا. ولسوف يشعرون جميعا انهم سعداء. ان الشخص الذي يفك جهاز تلفاز ويصلحه – وكل الناس بوسعها هذا اليوم – اسعد من الشخص الذي يحاول ان يحل معضلة الحياة وهو امر لن يدركه الا فيلسوف او شاعر - ولن يدركه الا - بالسكون والتأمل.
- سأخذ اجازة فانا مريض اليوم. ربما اسبوع. ربما اكثر. وربما لن اعود الى العمل.

***
جاءه رئيسه في العمل ويدعى "بيتي" لزيارته. صافحه بيتي وهو يقول:
- كل رجل اطفائي يعاني من حكة ولو مرة واحدة اثناء عمله.. يحاول ان يعرف ماذا تقول الكتب.. ويحاول ان يهرش موضع الحكة هذا .. دعني اؤكد لك ان الكتب لا تقول شيئا. ان كانت قصصا فهي تتحدث عن اناس لا وجود لهم. وان كانت غير ذلك فالامر اسوأ. استاذ يعتبر الاخر ابله، وفيلسوف يريد ان يخنق الاخر من بلعومه.. والان ماذا لو حاول رجل اطفاء ان يأخذ كتابا – عن غير قصد – الى منزله؟
وارتجف مونتاج. واستطرد بيتي يقول:
- انه امر طبيعي.. انه الفضول لا اكثر.. نحن ادارة الاطفاء نتعامل مع بحكمة. نتركه 24 ساعة ثم اذا لم يحرقه نأتي ونتناول الامر. هل سننتظرك في وردية الليلة
- اعتقد انني لن اعود الى العمل ابدا..
قال بيتي وكأن ما قاله مونتاج على سبيل المزاح:
- اشف سريعا وعد الى العمل.
***
حين غادر بيتي قال مونتاج لزوجته:
- انا اليوم في اسوأ حال.. اريد تحطيم الاشياء وقتل الناس..
- اذا خذ السيارة الخنفساء و قدها باسرع ما يمكنك..
- لا.. 
صعد الى فتحة التهوية واخذ كتابا والقاه الى الارض وتناول اخر .. كتبا كبيرة وصغيرة بلغت 20 كتابا.
تراجعت ملدريد وكأنها ترى فئران عند قدميها.. تناولت الكتب واسرعت الى الموقد.. امسك بها فصارت تتملص وتخمش ..
- لا يا ميلي. انت لا تعرفين. واعتصر كتفيها و هزها. وهو يقول:
- اصبري قليلا. لابد ان ارى ما فيها اولا. لو كان كلام الرئيس صحيحا لسوف نحرقها معا. هل تسمعين؟
وبدأ مونتاج يقرأ. لا نعرف اللحظة الدقيقة التي تنشأ فيها الصداقة، انها تماما كما تملأ الوعاء قطرة قطرة ثم تأتي تلك القطرة الاخيرة التي تجعله يفيض، وهكذا في سلسلة العواطف هناك عاطفة اخيرة تجعل القلب يفيض بما فيه. وتذكر انه ذات يوم رأى صبيا وقد جلس على شاطئ البحر ومعه غربال يحاول ان يملأه بالرمل، لان ابن عم قاس قال له "لو ملأت هذا الغربال بالرمال فسوف اعطيك قرشا" وهكذا قضى الوقت يحاول ان يملأ الغربال.. لكن الرمال كانت تتسرب من اسفل بلا توقف.. لقد خطر لمونتاج انه يحاول ان يفعل مثل هذا الصبي ، لقد خطر له انه لو قرأ الكتب بسرعة فلربما استطاع ان يملأ الغربال..كانت التوراة في يده وقد ادرك انه خلال ساعات يجب ان يسلمها الى بيتي، لهذا قرر ان يقرأ باسرع ما يمكن.

***

وفي الطريق الى فابر.. واخيرا وصل الى وجهته. وقرع الباب. فتح فابر.

- انت تنظر يا سيد مونتاج الى رجل جبان.. لقد رأيت كيف تسير الامور من سئ الى اسوأ، ولكني لم اقل شيئا.. صمت حتى كان ينبغي الكلام.. صمت حتى فات اوان الكلام. صمت ولم يعد من نفع للكلام الان.

ما عاد احد يصغي لي. سئمت الكلام مع الجدران. الكتب انها ليست الا وعاء لحفظ اشياء خفنا عليها من النسيان، الكتب ليس بها سحرا على الاطلاق، ولكنها تقول اشياء تجعلك تعرف كيف تخيط من الرقع ثوبا يحفظك من برد الشتاء. انها تظهر الثقوب في الحياة، وعوار سياسات لاناس ظنوا انهم فقاء، اذكياء، اكفاء لا يعتريهم نقصان، لهذا يخاف منها كل صاحب سلطان. بينما التليفزيون يغرقك في بحر من الاصوات والالوان، بحيث لا تجد الوقت للتفكير او للانتقاد.. لهذا كف يا بني عن سعيك وعد لقفصك وعش مثل السنجاب. هم لا يعرفون انك كنيزك هائل ملتهب بالنيران، يعبر الارض لكنه لابد ان يرتطم بشئ يوما ما. هم لا يرون الان الا الضوء والوهج واللمعان.
***

خرج من عند فابر وذهب الى بيتي وسلمه الكتاب الذي معه .. تسلمه بيتي والقاه في سلة المهملات حتى دون ان ينظر الى غلافه.. دقائق وتسلم انذارا (بلاغا) .. هرعوا جميعا.. توقفت سيارة الاطفاء امام منزل مونتاج.. لقد كان البلاغ من زوجته بأن لديهم كتبا.. 
قال بيتي مخاطبا مونتاج:
- ترى ما الجميل الى هذا الحد في النار؟ العلماء يقولون انها احتكاك الجزيئات، و لا يعلمون ما هي حقا. انها جميلة، وجمالها في انها تدمر التبعات والمسئوليات. كلما تعقدت مشكلة ما فعليك بالمحرقة. والان يا مونتاج انت عبء وسترفع النار عن كاهلي هذا العبء. والان يا مونتاج اريدك انت ان تحرق بيتك بقاذف النار.. اريدك ان تطهر نفسك بنفسك.
في اللحظة التالية لم يدر مونتاج بنفسه وهو يصوب قاذف اللهب نحو بيتي.. وفي ثوان تحول بيتي الى وهج صارخ.. وصدر صوت هسيس كأنها بصقة هائلة تغلي فوق موقد ساخن لدرجة الاحمرار.. وسد مونتاج اذنيه كي لا يسمع الصوت وصرخ ..
- بيتي .. انك لم تعد مشكلة بعد الان. كنت انت القائل دوما: لا توجد مشاكل .. بل احرقها.. وداعا.
وجد نفسه يكلمها قائلا:
- انت احمق يا مونتاج.. كل ها بسبب حدة الطبع.. لم تكد تبدأوها انت قد تقيأت كل شئ على الاخرين وعلى نفسك. من الغريب ان تقف وتبتسم في وجه من يهددونك بالموت حتى تجعلهم يجنّون.. لقد اراد بيتي الموت وقد اراده.. 
صوت عربات الاطفاء من بعيد..
فكر في الهرب. لكن الى اين يفر.. الى بيت فابر.. سيكون هذا محاولة للانتحار.. لكنه سيذهب على كل حال، ومن عقل فابر سيجد الوقود الذي يعيد له ايمانه بقدرته على الاستمرار حيا.
ونظر الى السماء ليرى طائرات الهليوكوبتر .. دستتان منها تحومان كالفراشات التي اربكها ريح الخريف.. تنقب عنه في كل صوب.. وها هي تهبط كانها رقائق الثلج تنحدر الى الارض. مشى في الشارع الخالي الذي بدا كحلبة المصارعة تنتظر ضحايا مجهولين، سوف يواجهون قتلة مجهولين. واقتربت منه سيارة بسرعة جنونية. خطر له انها سيارة شرطة، لكنها اجتازته.. وسمع ضحكات صبية..

***
لقد غادر الان المدينة. شعر كأنه ممثل يغادر مسرحا مليئا بالممثلين. انه يغادر عالما من الحقيقة المخيفة الى عالم من الحقيقة التي لا يمكن ان تكون حقيقة لانها جديدة تماما عليه..
رأى القمر في السماء.. لكن ما مصدر ضوء القمر؟ الشمس طبعا.. الشمس تدوم وتحرق.. الشمس والزمن والحريق.. الشمس تحرق كل يوم.. والزمن منهمك في حرق الاعوام..
كلما تنفس اكثر دخل المزيد من المعرفة الى عقله. انه ليس خاويا.. هناك دوما المزيد من المعرفة لكي تملأ عقله والمشاعر لكي يجيش بها صدره.
رأى في النهاية نارا.. كانت تمنح الدفء لا الاحتراق.. اثار دهشته ان النار تعطي كما تأخذ احيانا..
كان يتحلق حولها خمسة رجال ذوي لحى حليقة.
- تفضل . شاركنا في فنجان قهوة. نحن نحفظ الكتب هنا.. في عقولنا.
حاول مونتاج ان يرى في عيون هؤلاء الرجال بريق العلم الذي يحملونه، لكنه لم ير شيئا مميزا.. مجرد رجال لا يميزهم شيئا.. مجرد كتب تمشي على قدمين.
وضحك احدهم وهو يقول:
- لا تحكم على الكتاب من غلافه!
وضحك الرجال. 
قال جرانجر:
- اسمع يا مونتاج .. كان لي جد بارع يربي الحمام ويعزف الكمان. حين مات حزنت لانني لم ابك عليه، بل على كل الاشياء التي لن تكون فيما بعد. كم من حمائم لن تفرخ، وكم من الحان لن تعزف.. وانت يا مونتاج، ماذا قدمت للعال؟
- رماد..
- كان جدي يقول. ان كل انسان لابد ان يترك شيئا بعده والا لن يذهب للجنة.. يترك طفلا.. جدارا.. نبتة.. قصيدة.. كتابا.. وكلما نظر الناس للشئ الذي تركته وجدوك فيه.. لا يهم ان تكون بارعا.. المهم ان تترك شيئا او ان تغير شيئا عما كان عليه قبل ان تلمسه..

المصدر: اسطورة برادبوري التي لا تنسى "فهرنهايت 451"

18 يناير 2016

فهرنهايت 451


تنطق المعرفة في صدور الكتب بعد صوم دهري عن الكلام. فهي مخزونة هناك في صمت و ترقب لنابش متعطش، و لعاشق كتب ، ولضال موشك على الهداية. نجدها تعاهد الساعي لها، وتطرق باب الغافل عنها، وتتركه إحتراما لرغبته، ولها قوة يقين بقدرتها على إستعادته يومًا ما، تلك هي المعرفة المخزونة في كتب برادبري الذي يتبصّر بإن تكون الكتب يوما ستكون حبيسة في عقول البشر بعد عجزها عن الإرتصاص في رفوف المكتبات.

تدور أحداث الرواية حول أنه سيأتي على هذا العالم فترة يحرّم فيها تداول أو قراءة الكتب،  لما فيها من أفكار تدعو البشر لأن يفكرون ويثورون ويختلفون.  ويكون العمل الرئيسي هو إحراق الكتب، وإحراق أى منزل به كتاب.

المشهد الذي يرسمه برادبوري والذي يتكرر في كثير من أحياء مدينته المفترضة بطريقة ممسرحة تهدف إلى إرهاب الناس. الكتب مكدسة كأكوام كبيرة من الأسماك المتروكة لتجف، الرجال يرقصون ويتعثرون ويسقطون فوقها. أبخرة الكيروسين تغرق الكتب وتهيئها للمحرقة، يضخّون السائل البارد من الأوعية المربوطة على ظهورهم والمرقّمة 451. حيث يتهم من بحوزته كتاب بالهرطقة ويجرم ويعاقَب.

بطل الرواية يعمل كرجل حريق يحرق أى منزل به كتب. ثم يبدأ في احد الايام التفكير في الأمر، يحدث نفسه أنه لا بد من وجود أشياء في الكتب تجعلهم يحرقونها، لكن ما هذه الأشياء التي تجعل امرأة تفضل ان تبقى في منزل يحترق لتحترق مع كتبها على ان تحيا بدونها. وأن هناك من يمضي عمره ليدون بعضا من أفكاره وتأملاته في العالم والحياة من حوله في كتاب، ثم يأتي هو ويدمر كل شيء بسرعة ويحوله إلى رماد. يشعر باشتعال الحريق في ذهنه ويبقى متقدا مستعرا، يحاول إطفاءه دون جدوى، الى ان يقرأ ذات مرة كتابا، ومن ثم يقع تحت تأثير حب الكتب، ويبدأ بعدها في رحلة مناهضة لعملية حرق الكتب.

يختم الكاتب روايته بإطلاق صفّارة إنذار، حيث تنشب حرب شاملة تودي بالمدينة وتحرقها وتدمرها، ليكون الأمل في إعادة البناء والتأسيس بناء على ما يختزنه الهاربون من بطش النظام في صدورهم، وعقولهم ليكونوا هم التراث والمستقبل معا.

لتحميل الرواية انقر
هنــــــــــــا

16 يناير 2016

قصاصات من رواية الحرف القرمزي


باثناء محاكمة هستر بتهمة الزنا تحدث بعض عامة الناس عن هيستر. قال احدهم:
-  بإمكانها أن تغطي الوسم بمشبك أو شيء من هذا القبيل و أن تمشي بوقاحة في الطرقات كما في السابق.
– دعيها تغطي شارة العار بالطريقة التي ترغب فيها فوصمة العار ستبقى دائماً في قلبها.
– عم نتحدث نحن … عن شارات و علامات على ثيابها أو على جسدها ؟
هل يمكن أن يكون ذلك صحيحاً ؟ لقد جذبت الطفل بشدة إلى صدرها حتى أنه صرخ ثم أطرقت ببصرها إلى الحرف القرمزي و كذلك فقد لمسته بإصبعها لكي تؤكد لنفسها بأن الطفل و العار كانا حقيقيين. نعم , فقد كان ذلك واقعها و كل ما عداه كان مجرد أوهام.

القاضي - وشريكها في الزنا - يتحدث مع بطلة الرواية "هيستر" من على منصة القضاء:
إذا كان صمتك ينطلق من العطف و الشفقة عليه فاعلمي أنك مخطئة , صدقيني يا هستر , حتى لو كان سينحدر من مقام عالي ليقف بجانبك على منصة العار فإن ذلك سيكون خيراً له من أن يخفي قلباً آثماً طيلة حياته .
ماذا سيجني من صمتك سوى أن هذا الصمت سيغريه بل سيرغمه على أن يضيف النفاق إلى الإثم .
لقد منحتك السماء عقوبة علنية و بذلك تتمكنين من تحقيق انتصار علني على الشر الموجود في ذاتك و البؤس الموجود من حولك , و انتبهي إلى أنك تحرضين ذلك الشخص الذي يفتقد الشجاعة الكافية حتى يشرب من الكأس المر و لكن المفيد كذلك و هو الكأس الذي يقدم إليك الآن.

عن رواية : الحرف القرمزي - ناثان هوثورن

14 يناير 2016

الحرف القرمزي


هوثورن هو أفضل من يكتب عن الشر، عن النواحي المظلمة في النفس البشرية، و رغم أن شهرته تعتمد على روايته الحرف القرمزي، إلا أن عبقريته تتبدى واضحة في مجموعتيه القصصيتين: قصص من نزل قديم و حكايات حُكيت مرتين. هوثورن هو أيضا أبو الأدب الرمزي، لا أحد يستخدم الرموز ببراعة مثل هوثورن.

تدور أحداث الرواية في القرن السابع عشر في مدينة بوسطن المتزمتة. وتحكي قصة هستر براين التي أنجبت بعدما ارتكبت خطيئة الزنا، ثم تتوب وتحاول أن تعيش حياة كريمة. ويُحاول هوثورن استكشاف مواضيع جديدة حول القانون، والخطيئة، والإثم. 

يُستخدم مصطلح "الحرف القرمزي" للإشارة إلى أي شيء يُمكن أن يُوصف به الإنسان بأي شكل، وذلك لسنوات عديدة بعد اِصدار الرواية. كان استخدام النازيين للنجمة الصفراء للإشارة إلى اليهود نوع من أنواع استخدام "الحرف القرمزي"، وذلك في فترة الثلاثينيات والأربعينيات. كما كانت محاولات الحكومة لمنح رخصة معينة لصنع علامات للمجرمين تعتبر استخداماً لمصطلح "الحرف القرمزي". 

يشير هذا الاستخدام بشكل مباشر إلى حرفA القرمزي الذي كانت ترتديه بطلة الرواية. يُعتبر ذلك نوعاً مميزاً من العقاب. يكمن عقاب الحرف القرمزي في أنه علامة تبقي للأبد، ووسيلة لتعريف كل الناس بخطيئة الفرد، تزيد من عذاب الشخص من خلال عدم القدرة على الهرب من جرائمه الماضية. وبالتالي يمنع "الحرف القرمزي" الشخص من الشفاء مما إقترفه من أخطاء في الماضي. يُقَال بأن الهدف من الحرف القرمزي هو حماية العامَّة، ولكنه في الحقيقة يهدف إلى زيادة عذاب المخطيء. 

رفضت الشابة هيستر الأقرار بهوية الأب فقرر القاضي ان تقف هيسترعلي مرأي ومسمع وهي ترتدي الحرف القرمزي وان تعترف بهوية الأب امام مجتمع بوسطن. يصف الكاتب انفعالات هيستر في اصعب لحظة وهي مواجهة المجتمع وهي ترتدي الحرف القرمزي.... فيقول انها قامت بخياطة الحرف القرمزي علي ثيابها في منطقة الصدر بطريقة جميلة للغاية وكان واضحا للملأ انها بارعة في الخياطة... كانت تبادل نظرات الناس لها بأنها مصدر خزي وعار بالأبتسامة المستعلية والثبات ويمعن الكاتب في شرح الأمر فيقول بأن دافع تلك الأبتسامة المستعلية والثبات هو غريزة الأم التي تعلو علي كل شيء..... فقد ادركت هيستر انها اذا تهاوت تحت وطأة الشعور بالذنب فسوف تفقد الطفلة.... ولن يكون هنالك من يرعاها....... يستمر الموقف صعوبة حينما يقع اختيار هيئة القضاء على اعظم قساوستها لأستنطاق هيستر حتي تفصح عن هوية الأب... فيقع اختيارها علي ديميسديل ... الأب
ترفض هيستر الأفصاح عن هوية الأب..... وذلك بعد ان ترجاها ديميسديل..... وكان يحمد لها عدم الأفصاح بهويته في قرارة نفسه.

لتحميل الرواية انقر
 هنـــــــــــــــــا

12 يناير 2016

موت ايفان ايليتش


تولستوي من اروع الادباء الذين يمكن ان تقرأ لهم بدءا من رواية "الحرب والسلام" انتهاءا بهذه الرواية التي تسرد قصة وفاة احد الاشخاص المرموقين، من خلال هذه الرواية يعكس تولستوي معنى الحياة. انه يريد ان يطرح هذا السؤال، هل هناك فعلا معنى للحياة؟ هل هناك ما يجعل الحياة تستحق ان تعاش؟ انها قصة حزينة ولكنها مليئة بالمعاني والدروس العظيمة.

عندما بدأت قراءة هذه الرواية لم اكن اتوقع ان استمتع فعلا بقراءتها. لكن ما ان وصلت حتى الفصل الرابع لم استطع ان اترك الرواية. هذه الرواية سهلة جدا في قراءتها لأنها ليست طويلة اذ يقع حجمها بين القصة والرواية. كان تولستوي بارعا في سرده، موجزا جدا في عباراته، وكل المواقف الثانوية الواردة ذات صلة مباشرة بالموضوع الاساسي ومكتوبة بشكل جميل. اعتقد ان تولستوي يضع خبراته في الحياة في هذه القصة. 

يصف تولستوي مرض إيفان إيليتش بطريقة تجعل القارئ يشعر تقريبا بما كان عليه حال ايفان. كان إيفان إيليتش موظفا حكوميا في مرتبة عالية في الحكومة ابان حكم القياصرة في القرن التاسع عشر في روسيا. كان لديه كل مظاهر "الحياة الناجحة": عائلة محترمة، وظيفة مرموقة، منزل جميل. وهو قبل كل شئ طيب النوايا والمقاصد في الحياة. ولكنه هل كان يعيش حقا؟

عندما يشعر باقتراب الموت منه يبدأ في التفكير جديا كيف كان يجب أن يعيش. انه كان يحيا منجرفا مع تيار الحياة بنمط معيشة معين. قبل هذا النمط من الحياة دون تفكير مدفوعا بلهفة شديدة لتسلق السلم الاجتماعي. انه يسلك الطريق البيروقراطي في حياته المهنية. مواطن بارز، متزوج ، على صلة بصفوة المجتمع. حقق قائمة واسعة من الإنجازات، ولكنه يجد الموت يقرع على بابه في احد الايام. فكيف يقابله؟

الشئ نفسه دائما: فتارة بريق امل وتارة اخرى عاصفة يأس، ودائما هذا الالم وهذا القلق. الشئ نفسه دائما.
الوحدة تعذبه، ولكنه يعلم مسبقا انه ان جاء احد الاشخاص (ليسليه) ساءت الحال ايضا.
فما ان بدأت سلسلة الاحداث التي آلت في النهاية الى ايفان حتى تبددت الان امام عينيه جميع الافراح التي عاشها والتي بدت انذاك افراحا ولكنها تحولت الآن الى شئ تافه وحقير. 

تولستوي يصف ببراعة مشاعر ايفان:
  1. يصف معنوياته التي تضعف بالتدريج امام المرض غير القابل للشفاء. الوضع النفسي السئ الذي يعجز عن الهروب منه.
  2. ويصف ايضا شعوره تجاه زوجته التي اصبحت كيانا متجسدا لالامه – كيانا يمشي ويتنفس مجسدا لهذا الألم. لم يعد يطيق رؤيتها، وصوتها، ورائحتها. انها كابوس بالنسبة لرجل على حافة الموت.
  3. ثم يصف مشاعر ايفان تجاه الذين حوله - انه يشعر انه اصبح عبئا على من حوله؛ شاعرا ان الجميع ينتظرون فقط أن يموت.
  4. يصف مشاعره وهو مضطر للاعتماد على اخرين للمساعدة في تخفيف معاناته. يصف مشاعره تجاه الاطباء الذين لجأ اليهم ليداووه او ليخففوا من الامه. ثم مع تقدم مرض ايفان الغامض يبدأ في تقبل المساعدة من عبده الذي اظهر له الرعاية الكاملة بانكار حقيقي للذات. 
  5. يصف مشاعره وهو يصارع مع الوجود، ومع الله ... "لماذا انا؟ لماذا يحدث هذا لي!"
  6. واخيرا يصف مشاعره تجاه الالم والموت ذاته، حين يقول: "تعال ايها الالم. تعال ايها الموت!"

في البداية، يقابل الموت بعدائية ثم بتسليم للقدر - يواجه إيفان موته الوشيك، بالانكار اولا، ثم يتحول الإنكار إلى غمرة اليأس وهو يتصور العالم يسير بدون ان يكون جزءا منه. انه يجد ان عائلته والمقربين ينظرون إليه بعين الشفقة الى درجة ما، ولكنهم يبقون غير مبالين وبعيدين عن الاحساس بمعاناته.

ولكن بعد ذلك في نهاية صراع طويل مع المرض والتعب النفسي، يجد ما نحن جميعا نأمل في العثور عليه، يجد السلام. انه يرى أن الموت ليس هو نهاية الحياة، ولكنه بدايتها. حينما كنت صغيرا كنت أعرف النجوم، كنت أحبها واحفظ أسماءها: الزهرة، الجوزاء، الدبان - الدب الاكبر والاصغر.. الخ. كيف امكنني أن أحب تلك الأضواء رغم ما تبدو عليه من ضعف وخفوت ورغم بعدها الشاسع عني؟ كيف استطاع ايفان ان يحب الموت- هذا الشئ البارد القاسي والضيف الثقيل. حتى انه يخاطبه في النهاية : 

"تعال ايها الالم. تعال ايها الموت!"

إيفان ينظر للموت بعين الإحباط وليس الخوف. لقد صعقه أن يرى حياته تختزل إلى قائمة تافهة من الاعمال التي يقوم بها بشعور سخيف من صنع الواجب جاعلا وقته في هذا العالم حتى أقل من قصة تحكى للاطفال قبل النوم. "موت إيفان" اذا يضع القارئ في مواجهة مع موته هو. يكشف ايفان النقاب عن الطبيعة المتقلبة، الجامحة والغامضة، ويكتشف ما يفوق محدودية وجوده.

تولستوي يقدم انعكاسا رزينا لعجز البشرية في سبر غور المرض والالم والموت. انه يلقي فلاش باك في شكل الراوي الملم بكل التفاصيل الظاهرية والباطنية لايفان، ويروي قصة وفاة هذا الرجل بطريقة مفصلة، ويحاول ان يصف الالام الجسدية والروحية والنفسية بتفصيل مؤلم في قصة واقعية مؤثرة.

قال احدهم:

في كل مرة اعيد قراءة رواية تولستوي "موت إيفان" أقرأها بشكل مختلف. حين كنت طالبا جامعيا قرأتها كأنها وصف لتجربة شخص مسن، واتصورها تجربة بعيدة، غير واقعية تقريبا، غريبة، سريالية. قرأتها مرة أخرى خلال سنوات عملي كطبيب، أعجبت بعبقرية تولستوي لوصف مراحل الحزن، وبعد ذلك مشاعر الغضب، وكيف كان مرضاي لهم تجارب مماثلة، كما أعتقد، محاولا أن اكون أكثر صدقا وحساسية من الأطباء الوارد ذكرهم في القصة.
الآن، وانا طبيب متقاعد في العقد السابع من عمري، أجد أنني اراها بشكل مختلف، أن إيفان وهو رجل في الأربعينات من عمره عند وفاته، تسامح مع مواقف أصدقائه وأفراد أسرته، وبدأ مراجعة جادة لحياته وتقييمها، والاستجابة لالحاح السؤال عن معنى الحياة وعن ماهية الموت. 

تولستوي يضعنا وجها لوجه، مع الموت، مع الحياة؛ الحياة الحقيقية مقابل الحياة الزائفة. انه يفعل لك كما لم يفعله أي كاتب آخر من قبل. انه يسمح للقصة لتلقي كامل ثقلها على القارئ وتسرد بنفسها. تولستوي لا يضيع الوقت في الولوج سريعا في رحلة حياة إيفان وتحولها من الحياة التقليدية لمواجهة ما يختبئ وراء الحياة، اعني الموت. عن طريق الاختباء من الموت وجد ايفان نفسه أيضا يختبئ من الحياة. لقد وجد انه بمسح الزجاج او المرآة وتلميعه ليظهر بوضوح بريقه. وجد انه يعكس ما هو الموت وما هي الحياة الزائفة، ليترك الباب مفتوحا أمام فرصة رؤية الحياة الحقيقية وعيش ما هو حق. أنه يفتح إمكانية رؤية الموت ككيان مستقل في حد ذاته.

ايفان الذي يدرك قبل موته بساعات فقط أنّه بسبب خضوعه لدوره الرتيب في مسرحية المجتمع و توزيعه الطبقي و الوظيفي كان قد أمضى حياته كما لا يجب أن تكون- حياة خاليةً من العواطف و الحميمية و مليئة بالأخطاء حتى، سلّم نفسه للموت مرتاحاً حين أدرك أنّ حياته لم تكن غير موت طويل و أنيق.