1 سبتمبر 2015

الثورات: ما لها وما عليها


في الاونة الاخيرة بدأ بعض الاعلاميون يطرحون السؤال: هل ما حدث يوم 25 يناير ثورة ام انتفاضة ام مؤامرة؟
وينسون ما سبق هذا اليوم من كم الفساد والاهمال الهائل في شتى مناحى الحياة، هذه القضايا التي خصصوا لها الحلقات الطويلة في برامجهم.
في رأيي من يقول ان 25 يناير لم تكن ثورة، هو:
1. لم يشترك فيها، فلم يرى بعينيه الشباب المخلص وهو يهتف بحماسة الشعار المشهور "عش حرية ، عدالة، كرامة انسانية". لم يرى الشباب المخلص وهو يكافح ويبيت في العراء ومعظمهم كان من الطبقة المتوسطة والراقية وليس من الفقراء او المعدمون.. لم يرى الحشود الهادرة كأمواج البحر في مليونيات الثورة. 
2. متقلب الرأي لأن الجميع بلا استثناء كانوا يمجدون الثورة في الايام التي تلتها.
3. لم يدرس ولم يتعمق في بحثه: فهذه الثورة لم يستخدم فيها اطلاق النار ضد مؤسسات الدولة اي الشرطة او الجيش: لم يسقط شهيدا واحدا من اي منهما. كانت ثورة بيضاء، سلمية تماما.
4. فكره جامد او غير مرن او غير ديناميكي: امور الحياة ليست ابيض واسود فقط بل هي مختلفة الالوان. لا يوجد كتاب "Manual catalogue" للثورات ، فلكل بلد طابعها وثقافتها الخاصة. ولا توجد ثورة هي بصمة اصبع او نسخة متطابقة من ثورة اخرى. ممكن ان تشترك ثورات في خطوط عامة ولكنها حتما تختلف في التفاصيل.
5. لا احد يستطيع ان يقول انه يقدم حكما جازما على احداث التاريخ، او يحكم حكما صائبا صوابا مطلقا على وقائعه، او ان يدعي انه ملم بكل التفاصيل. اننا فقط ندرس التاريخ. هل يطلق الفرنسيون مثلا على ثورتهم انها ثورة دموية لانها قتل فيها اعدادا كبيرة من طبقة النبلاء واستخدم فيها السلاح من قبل المتمردين ويغفلون الجانب الاخر المضئ، في انها كانت ثورة ذات اهداف نبيلة رفعت الشعار المشهور "الحرية والاخاء والمساواة". وانها كانت باعث النهضة الحديثة في اوربا.
هل يستطيع احد في ايامنا هذه ان يقول ان النظام الملكي فاسد مئة في المئة؟ ألا يزال في عالمنا نظم ملكية قائمة؟

حينما شاهدت فيلم "البؤساء" المأخوذ عن رواية بنفس الاسم. اعجبني مقطع يسرد لمحة عن الثورة الفرنسية لذا اوردتها في هذه التدوينة بشكل روائي.
كانت الوجوه ذات الشوارب والمعتمرة قبعات طويلة تبدو مستنفرة الى اقصى حد. وترامى من على المنصة صوت يشتعل حماسا:
اني اسألكم، هل نحن في حاجة إلى الملك؟ ان النبلاء ما هم الا طفيليات تمتص دماء الفقراء..  يسقط النظام الملكي. سحقا للرجعية.
 وعلى مقربة من المنصة اخذ احد الشباب يوزع منشورات وهو يقول:
ان جمعيتنا تطالب بتشكيل حكومة جديدة. هيا انضموا الينا اليوم، وسنعمل معا على وضع يدنا على مقبض سيف الله و نهتف ... "فلتسقط طبقة النبلاء!  يسقط النظام الملكي"!  نستطيع ان نفعل ذلك!.. معا فقط يمكننا احضار هؤلاء القتلة على ركبهم جاثين. ونحن نسير الى النهضة وسنكون المنتصرين، تعاهدنا على الانتصار او الموت،  لن نحبط ابدا ، لا مجال للخوف والتراجع الآن! لدينا العقول التى تحلم ، و الافواه التى تتحدث، والمشاعر التي تحترق.... ان المآسى لتصرخ بنا ان نطالب بالحرية ! البؤس يطالب بالعدالة الاجتماعية. الموت للملك! الموت للنظام الملكي! عاش االشعب! عاشت الجمهورية!
 في المؤخرة كان السيد "مادلين" يقف مع ابنته "كوزيت" التي راحت تنظر الي الحشد الواقف وتتطلع باهتمام الى المتحدث على المنصة التي نصبت في حديقة "الحرية" بباريس.
تطلعت الى ابيها وسألت باستغراب:
 - .. لا افهم. ماذا  يفعلون؟
- انها الثورة.
- ولكن ما هي؟
ولم تكد تنهي سؤالها حتى هتف شخص على مقربة:
- بسرعة!  صوبوا سلاحكم ! جردوهم من سيوفهم او اقتلوهم!
كان في الجهة المقابلة الشاب ما زال يردد كلماته للحشد المجتمع:
- انضموا إلينا! انضموا  إلينا!
 تبادل الاب وابنته نظرة خائفة. ثم عادت للسؤال:   
- ولكن لماذا؟ لماذا تريد أن الشرطة القبض عليهم؟
- لانهم ثوريون. انهم يريدون تدمير النظام الملكي.
 - وهل  النظام الملك سيء؟
- اجل،  انه لايصغى  إلى الفقراء ابدا. و لكن اوامر الجيش الفرنسى بقتالهم لا طائل منها.
- و هل هو ... اقصد هل هم سوف يعودون إلى الحديقة؟
- أشك في أن اى شيىء يمكن ان  يمنعهم حتى يقتلوا .
انسحب الاب وابنته من التجمع متجهين الى قصرهم، وما هي الا لحظات حتى عمّت الفوضى والاضطراب المكان .. قبضت الشرطة على بعض المتمردين ووجهت لهم التهم المعروفة ..
في اليوم التالي وقف مفوّض الشرطة يهتف في رجاله:
- انتم الان الوكلاء الرسميين للحكومة. سوف لا ترتدون ملابس الشرطه الرسمية حتى يتم القبض على قاده هذا التمرد.  اريد منكم اختراق كل المناطق.. استجوبوا اى شخص لديه معرفه بهؤلاء الخونة. اعثروا على الزعماء و اجلبوهم . و ان كانت هناك مقاومة اطلقوا  النار عليهم على الفور.
عن رواية البؤساء - فيكتور هوجو
==
روابط ذات صلة:
فيلم البؤساء مع الترجمة

ليست هناك تعليقات: