17 أغسطس، 2017

رواية عزازيل


تأثر دكتور يوسف زيدان في روايته "عزازيل" برواية المؤرخ شارلز كنجزلي. وكان هدف رواية كنجزلي - كما قال في مقدمته - تصوير تلك الفترة المضطربة التي عاشتها المسيحية في القرنين الرابع والخامس. يقول كنجزلي: "في بلاد دنستها عادات الرومان وأباطيلهم، كان هذا أمرا عسيرا للغاية. لقد كان يلزم أن تهب عاصفة من السماء، تزلزل هذا الوجود، وتقلب الأوضاع الكائنة رأسا على عقب..". ويشرح كنجزلي الظروف التي حدثت إثناءها الأحداث التاريخية التي بنيت الرواية على أساسها، فقد كانت هذه الفترة تحمل صراعًا بين العقائد والفلسفات القديمة مع المسيحية الوليدة، برغم أنها صارت الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية إلا أنه كما يقول كنجزلي: "ولكن أن كان الملوك قد انضموا تحت لواء المسيحية، فالممالك ما تزال كما هي – السواد الأعظم من شعوبها يرزح تحت عبء الوثنية، وقد نرى بصيصا من النور يظهر، ويظهر هناك من أثار المسيحية، ولكن هذا لن يغير شيئًا من حقيقة الظلام الكئيب الدامس. لقد كانت الإمبراطورية كما هي، والقوانين الرومانية هي هي، والبلاد كلها ترزح تحت حمل نظام من اللصوصية القانونية والاستعباد القاسي".
وهو هنا يبين لنا ان ما يتباكى عليه د. زيدان وملحدو الغرب ومن سار على دربهم من كتاب ونقاد، وما صوروه لنا على أنه النور الذي أطفأته المسيحية، ما هو إلا عادات دنسه وأباطيل كانت في حاجة لعاصفة سماوية تزلزلها وتقلبها رأسًا على عقب، بل وعبء وظلام كئيب دامس كان في حاجة إلى نور المسيحية!! 
ثم يصور الصراع الفكري الذي كان دائرا بين المسيحية، ممثلا في آباء كنيسة الإسكندرية، وفي رهبانها الذين اتخذوا من الأديرة مقرا هادئًا للبحث والتأمل والدراسة ، وذلك لمواجهة هذا الصراع الفلسفي، والذي انتهى بنصرة آباء الكنيسة بعلمهم وفكرهم وفلسفتهم واعتمادهم على الكتاب المقدس والتقليد الرسولي، لا على القتل والدم والعنف كما حاول أن يصور د. زيدان وتلاميذ المدارس الغربية الإلحادية!! فيقول: "ولكن المسيحية في مصر، في هذه الفترة التي تعرضت لها قصتنا كانت في منتصف الطريق، فلم تكن قد هوت الضربة القاصمة بعد. كانت المعركة الفلسفية على أشدها بين فلاسفة اليونان والآباء المسيحيين الأولين". 
وصور لنا كنجزلي مقتل الفيلسوفة المصرية ذات الأصول اليونانية هيباتيا أو هايبيشيا، كثمرة طبيعية ونتيجة لما حدث من عنف. بل ولم يبرئ كنجزلي ساحتها ولم يعفها من المشاركة في مصيرها التي ألت إليه ولم يصورها كما فعل د. يوسف زيدان كالقديسة التي بلا عيب في موجهة الكهنة الأشرار!! اسمعها تقول في لومها لنفسها عندما أحست بالخطر: "أنا الملومة. وعلي وحدي يقع عبء كل شيء. لقد أهنت نفسي بسيري في ركاب السياسة، والذي يسير في ركاب التملق والدهاء لا يعلم أين يمضي".
بمجرد ما ان نشر د. يوسف زيدان الرواية حتى صارت ضجة عارمة، اذ ان الرواية تتناول - على لسان ابطالها - بالقدح الكنيسة التي قال عنها "الكنيسة التي اظلمت العالم"، ورموز المسيحية في العالم وعلى رأسهم البابا يرلس الاول فيقول على لسان هيباتيا "كيرلس.. عجلت الالهة بنهاية ايامه السوداء".
ونلاجظ ان الدكتور في روايته امتدح ومجد الهراطقة وأعتبرهم، مع تناقض أفكارهم، أنهم هم الذين يمثلون المسيحية الحقيقية، فقد ذكر اسماء 3 من الهراطقة وامتدحهم رغم ان الواحد منهم يناقض الاثنان الاخرين!! 

3 أغسطس، 2017

رواية: العمى

CecitàCecità by José Saramago
My rating: 5 of 5 stars

الرواية توجد عالمها الخاص وتمنعك من رؤيته، فهي لا تذكر اسماء للاماكن ولا لشخصيات الرواية. وهنا فقط يداهمك شعور العمى، وهنا – وفقط هنا – تعرف لماذا حازت هذه الرواية جائزة نوبل عام 1998. تتحدث عن انتشار وباء بشكل مفاجئ "العمى الابيض". مما يجعل الفوضى تعم ارجاء البلاد. يلجأ الجيش لاستخدام القمع واجراء حجرا صحيا للسيطرة على الاوضاع.. وتتفاقم الامور سوءا ، ويظهر اسوأ ما في البشر من الطمع والاغتصاب والقتل، في ظل سوء توزيع الغذاء والادوات الطبية وغيرها وتظهر عصابات مسلحة تستخدم العنف.. ربما كل هذا صور مما يصيب بعض البلدان اوقات الشغب والثورات والحروب والنكبات الطبيعية، اذ تنعدم الاخلاق. كما تلقي الرواية نورا ايضا على محاولات البعض لمواجهة الفوضى عن طريق التضامن معا. وهذا ما فعلته زوجة الطبيب، اذ قامت بمساعدة زوجها ومجموعة اخرى من النساء.. فهي من البداية - ورغم كونها مبصرة - رفضت ان تفارق زوجها ، وادعت اصابتها العمى لترافقه في الحجر الصحي.
اعتقد ان ملخص الرواية والغرض منها يتضح في كلام زوجة الطبيب وهي الشخص المبصر الوحيد في الرواية، ا ذتقول:
"لا اعتقد اننا عمينا. اننا مبصرون ولكننا عميان" في اشارة لانعدام الاخلاق. ومقولتها هذه تذكرنا بما قاله السيد المسيح لليهود: "(يو 9: 41) قال لهم يسوع:«لو كنتم عميانا لما كانت لكم خطية. ولكن الان تقولون اننا نبصر، فخطيتكم باقية.


View all my reviews

قصاصات من رواية - العمى


كان الرجل الجالس خلف مقود سيارته يردد يائسا :
- "انا اعمى، انا اعمى!" 
حاول الناس مساعدته على الخروج من سيارته، بينما الدموع الطافرة من عينيه اللتين يدعى فقدهما البصر، جعلتهما تظهران اكثر تألقا.
- "تحدث امور كهذه"، قالت سيدة.
- "ازمة وتمر"، قال رجل.
"يحدث ذلك لاسباب عصبية احيانا"، قال رجل اخريبدو انه كان طبيبا.
تغيرت اضواء اشارة المرور، تجمع بعض المارة الفضوليين حول سابقيهم، احتج السائقون الذين في المؤخرة، ولم يعرفوا ماذا يجري، على ما اعتقدوا انه حادث عادي: تحطم مصباح سيارة، انبعاج جانب سيارة..
"اطلبوا الشرطة"، صاحوا، "واخرجوا هذه الخردة من الطريق.
توسل الاعمي: "ارجوكم ليأخذني احدكم الى بيتي".
اقترح احدهم ان يقود سيارته ويوصله الى بيته. اجلسوه في المقعد الامامي. وفي السيارة رفع الرجل الاعمى يديه الى عينيه وقال "يبدو انني غطست في الضباب، او سقطت في بحر من الحليب".
"لكن العمى مختلف عما تقول"، قال الشخص الاخر "يقولون ان العمى اسود".
"حسن ، لكني ارى كل شئ ابيض. الارجح ان ذلك الرجل كان على صواب".
"نعم، قد تكون مسألة اعصاب، فالاعصاب شئ غاية في التعقيد"
"لا احتاج ان تشرح لي عنها، انها كاثة. نعم كارثة"
"قل لي اين تقطن"
اجاب الاعمى متلعثما، وكأن فقان بصره قد اضعف ذاكرته: "
كان بيته قريبا. لكن الارصفة كانت مكتظة، لم يجد مكانا لصف السيارة.
دخل الى شقته وحالما جلس على الاريكة، اغمض عينيه.. وراح يفكر. تمنى ان يكون في حلم، حلم مخادع.. حلم يجب ان يخرج منه عاجلا او اجلا.
"استيقظ.. استيقظ! ما الذي تفعله هناك، نائم؟"، سألته زوجته.
لم تنتظر الرد، وشرعت تفرغ حقائب بها بعض المشروات في المطبخ، ومن حين لاخر تغمغم بغضب تعمدت عدم اخفائه..
اقتربت منه، فتح عينيه.
"استيقظت اخيرا ايها النوّام!"، قالت مبتسمة.
صمت هنيهة ثم قال: "انا اعمى!"
نفذ صبر المرأة "كف عن هذه الالاعيب الصبيانية. هناك امور لا يجب المزاح بها"
"ارجوك لا تخفني. انظر هنا"
احتضنته وبدأت تبكي.. غمغم، "اني ارى كل شئ ابيض، وابتسم ابتسامة حزينة. جلست المرأة قوية، احتضنته بقوة، ثم قبلته بلطف على جبينه، وعلى خده برقة، سترى انها ازمة وتمر، فانت لم تكن مريضا، لا احد يعمى هكذا بين لحظة واخرى.
امسكت بالتليفون، سألت ان كانت هذه عيادة جراحية، وان كان الطبيب موجودا، وان كان بوسعها التحدث اليه. ان زوجي قد اصيب بعمى مفاجئ.
استوقفا تاكسيا.. في الطريق كانت المرأة تعصر يد زوجها في يدها بحنان. بينما احنى رأسه بحيث لا يستطيع سائق التاكسي ان يرى عينيه في المرآة.
اتصل الطبيب بطبيب اخر صديقا له،قال:
"اني واجهت اليوم حالة هي الاغرب.. بعد الغداء سأبحث في الكتب، سأنظر في بعض المراجع لعلني اجد مفتاحا ما. نعم اني ملم بموضوع العمى، قد يكون عمى نفسي. لكن عندئذ ستكون هي الحالة الاولى من نوعها. وكما نعلم فان العمى النفسي هو العجز عن تمييز الاشيلء المألوفة، لانه خطر لي انها قد تكون ايضا حالة عمى جزئي.
انهى الاتصال وجلس في كرسيه ساكنا لبعض الوقت. ثم نهض، خلع مريوله الابيض ببطء وبحركات متعبة. دخل غرفة الحمام ولكنه لم يسأل نفسه، هناك الاف الاسباب لانغلاق الدماغ.
عاد الى البيت، اخذ بعض الكتب من مكتبته.. راح يقرأ.. الى ان شعر بالخوف فجأة، كأنه سيعمى في غمضة عين.. وقد كان.

23 يونيو، 2017

رواية اولاد حارتنا


رواية اولاد حارتنا ربما تؤخذ بشكل رمزي: يمكن ان
 نعتبر ادريس يمثل الشيطان الذي يغوي ادهم لمعرفة السر المخبأ في "خلوة" ابيه، والذي يمثل شجرة المعرفة (معرفة الخير والشر التي اكل منها ادم). وبسبب ذلك يطرد من البيت الكبير.
"ادهم" هنا يمثل ادم وهو يتحسر على الايام الماضية حين كان ينعم بالحديقة (الجنة). والان طرد الى ارض الشقاء ومن ضمن عقابه "بعرق جبينك تأكل خبزك" وهو يقارن بين العمل في السابق حيث كان "يعمل الجنة ويحفظها" وبين الشقاء في العمل ويعتبره هنا لعنة. وهذا اقتباس اخر يوضح ذلك:
العمل من اجل القوت لعنة اللعنات، كنت في الحديقة اعيش، لا عمل لي الا انني انظر الى السماء او انفخ في الناي، اما اليوم فأنا ادفع العربة امامي ليل نهار في سبيل شئ حقير نأكله مساءا لتلفظه اجسادنا صباحا.
ينسى الكثيرون ان الرمزية لا تعني انطباق كل الاحداث على شخص المرموز اليه فلو قلت ان الجبلاوي يرمز الى الله فليس معنى ذلك ان تقول ان كل ما ورد عنه يخص الله تبارك اسمه. فهي في نهاية الامر رواية ذات احداث واقعية، وكل من يقرأها يشعر فعلا بواقعية احداثها. لقد قدمت "اولاد حارتنا" الحارة المصرية بكل ما فيها الى العالم. وكان الفضل في ذلك قلم نجيب محفوظ المبدع وليس في ذلك شك.

21 يونيو، 2017

رؤية نقدية لادب نجيب محفوظ


السرد في ادب نجيب محفوظ له دلالة ومغزى. وتتماسك خيوط القصة، وتتشابك في اسلوب سلس. وينسج نجيب محفوظ القصة في خيوط متشابكة لا يترك اي علاقة بين الشخصيات تفلت من بين قلمه. في قصته "صوت من العالم الاخر" نجد الرمز. نجد ادوات التعبير عن رؤيته للموت، يمتزج فيها الوعى باللاوعي ، والاسطورة بالتاريخ، والرؤيا بالواقع. 
تجد نفسك ايها القارئ تسبح في خيالات رؤى لانهائية، مع انصهار في بوتقة الفكر والفلسفة، لان نجيب محفوظ كاتب وفيلسوف من الطراز الاول. تأثر نجيب محفوظ بالادباء العظام الذين سبقوه مثل تولستوي ، كما انه تأثر بالشخصيات الملهمة في ايامه ومن امثالهم الزعيم الهندي غاندي. 
حينما سؤل عن غاندي قال: 
"شخصية غاندي في العشرينات شغلت العالم كله واثارت دهشتي. كان شيئا اسطوريا ان ذلك الرجل الفقير الاعزل يواجه امبراطورية "لا تغرب عنها الشمس". اثناء عمله محاميا بجنوب افريقيا دفاعا عن مواطنيه المضطهدين هناك. ثم يعود الى الهند، ويستطيع ان يحقق معجزة التفاف الملايين حوله مؤمنين باسلوبه المدهش "نوال الحق بلا عنف"، الى ان نالت الهند استقلالها عام 1947م. ايضا يلتقي تولستوي وغاندي في مبدأ واحد، فكلاهما شغفا بحياة المسيح، ورأى كل منهما ان خلاصة الفكر الانساني. وان غاية ما ينتهي اليه البشر في محاولاتهم الوجدانية والروحية هو موعظة المسيح على الجبل، والتي قال فيها لاتباعه: "احبوا اعداءكم. باركوا لاعنيكم. صلوا لاجل الذين يطردونكم".