18 يناير، 2017

ثرثرة فوق النيل


ران على شلة الاصدقاء السكون للحظات، وما لبث ان قطعه صوت القرقرة الصادرة من جوزة "رجب". ثم طافت تعليقات شتى عن الطائرات الامريكية التي ضربت فيتنام الشمالية، الاشاعات التي لا تحصى، الهاوية التي يرقد على حافتها العالم، اللحوم والجمعيات التعاونية. الرشوة. العملة الصعبة. الزحام وتدني المرافق.. كل ذلك استقر في جوف الجوزة ثم تبخر دخانا كالبخار المتصاعد من طبق الملوخية التي طبخها عم عبده بالامس. وشعار كل واحد منهم بدى وكأنه ترديد لصدى لسان حال كل منهم ، يقول: لو لم اكن لتمنيت ان اكون.
قال مصطفى راشد: عندما يتوهج في السماء نور كهذه الجمرة التي امامي يقول المرصد الفلكي ان نجما قد انفجر وانفجرت بالتالي مجموعته واستحال الكل غبارا.
.. قال احمد: فلنبدأ بك. حدثينا عن همك الاول في الحياة.
لم يفاجأ بالسؤال فيما بدا وقالت ببساطة موحية بالصراخ:
- اهم ما يشغلني الان هو ان اجرب نفسي في كتابة المسرحية.
فقال مصطفى راشد بخبث:
- المسرحية لا تكتب لغير سبب.
جذبت نفسا متمهلا من السيجارة. وهي تضيق عينيها متفكرة مترددة فابتسم على السيد ابتسامة تنم عن مشاركة وجدانية:
- واضح من ان جو عوامتنا لا يتقبل من الحديث الا السخرية والعبث.
وصاح رجب:
- امامكم ساحرة ستحول بقلمها المهزلة الى دراما هادفة. ولكن هل تؤمنين بهذا حقا؟
- اود ذلك..
- تكلمي بصراحة، خبريني كيف. لا شك اننا نرحب بكل قلوبنا بهذه المعجزة.
- لا شك انها ارادة الحياة.
وتبادلوا الافكار. ارادة الحياة شئ صلب مؤكد، ولكنها قد تفضي الى العبث. اجل ما المانع؟ وهل تكفي لخلق البطل؟ ثم ان البطل هو من يضحي بارادة الحياة نفسها في سبيل شئ اخر ، هو اسمى في نظره من الحياة فكيف يتأتى ذلك الشئ العجيب؟
- ارادة الحياة هي التي تجعلنا نتشبث بالحياة بالفعل، ولو انتحرنا بعقولنا، فهي الاساس المكين ، وقد نسمو به على انفسنا.
فقال مصطفى:
يمكن تلخيص فلسفتك بانها تستبدل شعار (من تحت لفوق) الى (من فوق لتحت)
- لا فلسفة هنا
- همي الاول هو الستر!
- هو الوحيد فينا الذي سيعيش بعد الموت..
وضاق انيس بوحدته فنادى عم عبده ليغير له ماء الجوزة. وتمثل العملاق في لحظات حضوره كالموجود الوحيد في خلاء صوتي.
وجاء صوت يقول : ان همه الاول هو التذكر. واخر قال:
- لا، بل النسيان.
وسأل انيس:
- لماذا وقف التتار على الحدود؟
وهتفت ليلى: ليس لنا شأن بهذا!
غشى الجميع صمت جنائزي. واغمض انيس عينيه .. لم يعد الصمت يحتمل فقال على السيد:
- اني حزين .. يحسن بنا ان ننسى اجابة هذا السؤال.. لا، بل الموضوع كله.
وهتفت ليلى:
- اني صائرة الى موت محقق.
فقال خالد عزوز:
- كلنا صائرون الى موت..
- انما اعني موت افظع.
- ليس ثمة ما هو افظع من الموت.
وازدرد ريقه ثم استطرد:

- ثمة موت يدركك وانت حي. 

ثرثرة فوق النيل


يقول عن هذه الرواية نجيب محفوظ: "انا لم اكن متشائما كما ذهب البعض. فالقصة تعبر عن الاحساس بالعبث. ولكن رغم صعوبة اللحظة الراهنة، نرى انيس زكي الشخصية الحمورية في الرواية ، في النهاية، يتخيل اول حيوان نزل من اعلى الشجرة.. نزل الى الحياة، هناك حلقة .. او نقطة في الحياة لا يرضى عنها ، ولكنها نقطة البدء .. يحس ان الانسانية قد قطعت شوطا هائلا في طريقها ، ولابد ان تمضي في الطريق.. فانيس زكي لا يتذكر بدء الرحلة الانسانية كمقابل لحال التوقف التي يجد نفسه فيها .. ومن نظر اليها هذه النظرة.. اعتبرها دليلا على التشاؤم".
وقد فسر "ناجي نجيب" نهاية "ثرثرة فوق النيل" بانها تنتهي بشكوى وجودية (البحث عن معنى الحياة) وربما تكون اشبه في ذلك ببعض نهايات "فرانز كافكا"، فالشكوى او الصرخة الوجودية التي تنتهي اليها الثرثرة هي تعبير عن الالتزام المبهم – الالتزام غير المقيد وهي تعكس صعوبة الموقف الاجتماعي السياسي الذي تعالجه الرواية ، وصعوبة ايجاد مخرج له.
ففي "ثرثرة فوق النيل" نرى مجموعة اصدقاء افترشت العبث، اجتماع وهمي في "عوامة" الثرثرة والادمان وسرعان ما يتحطم وينهار ... ممثلة المجتمع الجديد التي دخلت العوامة تستهدف تحويل اهلها ، بدورها هي ايضا تنهار..! ان جو العوامة يستحوذ عليها وتهزم في النهاية ويرتفع الانين الوجودي..
يقول عنه صديقه "يوسف جوهر": "نجيب محفوظ ، هذا الانسان الرائع، هو المصنع العجيب الذي غزلت فيه مصر فنها الروائي في ابدع اشكاله وابهى صوره.. وقد جمع بدأب وبصيرة وفطنة خيوط شخصياتها.. وتعقبها في مصر القديمة والمعاصرة، في ايام الازدهار وفي ايام الانكسار، وتحولت بين يديه الى نسيج موشى بالوان الطيف متلالئ بالدمع والابتسام والحزن والفرح.! هذا النسيج هو الذي فحصته لجنة "جائزة نوبل" وحكمت باصالته ، وبانه نسيج مصري فريد لا يمكن تقليده! واذا كانت مصر الفرعونية قد قدمت لنا تمثال "الكاتب المصري" وهو يجلس القرفصاء تعبيرا منها عن احترام الكلمة ومحبتها، فان هذا القرن قد اهدانا "الكاتب المصري الجديد" الذي وصل ماضينا بحاضرنا."

احد سمات "ثرثرة فوق النيل" هي الواقعية. والواقعية كما يعرفها نجيب محفوظ: "هي استلهام الواقع، النفاذ اليه لاستجلاء معناه. اي الرجوع الى الواقع بابعاده المختلفة – الزمان؟، المكان، الناس.. وبهذا المعنى يتعذرلا ان يكون هناك فنا غير واقعي. ويتفاوت منظور الواقع فقد يحاول الفن النفاذ اليه من الجانب النفسي ومن الجانب المادي . اذا اعتمدنا على الداخل لتصوير الواقع نصل الى القضية النفسية. وقد تتغلب الروح الفردية ونسميها "رومانتيكية".. هذا ايضا واقع ولو ان المؤلف في هذه الحالة يتجاهل البيئة".

14 يناير، 2017

خمس سنوات في بيت من زجاج

خمس سنوات في بيت من زجاجخمس سنوات في بيت من زجاج by Boutros Boutros-Ghali
My rating: 5 of 5 stars

اعطيت هذا الكتاب خمسة نجوم رغم انه من الناحية الادبية الصرفة لا يستحقها لكونه جمع بين الادب والسياسة. وعلى الرغم ان الكتاب سياسي في المقام الاول الا ان الكتاب ممتع للقارئ العادي لكونه ملئ بالقصص المدونة بطريقة شيقة، رغم ان بعضها صادم لاقصى حد. اشد ما حفر في ذاكرتي من تلك القصص الصادمة هو مقتل فرقة من رجال الصاعقة من قبل فرقة شرطة اجنبية في محاولة لتحرير طائرة مختطفة على ارض اجنبية

View all my reviews

30 ديسمبر، 2016

الفردوس المفقود


نشر ابليس جناحيه فحلق طائرا
في الجوء ينوء الهواء البهيم بحمله
ويدرك عبء ثقله الهائل،
واخيرا على اليابسة استوى،
ان كانت تلك هي اليابسة حقا!
انها تلتهب ابدا بنيران صلبة،
مثلما التهبت بحيرة النار والكبريت بنيران سائلة.
وبدا لونها مثل بركان قوي،
تثيره قوى الرياح الحبيسة في باطن الارض،
فتنقل التل من مكانه،
وتخلف موطن راحة لاقدام لعينة!
وتلاه رفيقه الذي يليه في المنزلة،
وقد اسعدهما ان هربا من بحيرة اللهب الجهنمية.
وفي ظنهما انهما قد افلتا بفضل القوة التي عادت لهما،
وليس بفضل ما اذن به القوي الجبار.
وهنا انشأ يقول من كان ملاكا اكبر:
اعلينا اذن ان نستبدل هذه البقعة وهذه التربة بجنة النعيم؟
انستبدل هذا البلقع المدلهم بالضياء العلوي الغامر؟
فليكن!
وداعا يا دار الهناء والسرور الابدي!
مرحبا بالدرك الاسفل!
وانت يا اغوار الجحيم السحيقة استعدي لاستقبال سيدك الجديد.
ماذا يضيرني ان اكون هنا او هناك مادمت انا هو انا-
اكاد اضارع من تفوق عليّ بقوته العاتية؟! 
سيد في جهنم اكرم من عبد في الجنة!
ولكن ما لنا خلفنا رفاقنا المخلصين
شركاء الضياع وزملاء السقوط
يرقدون ذاهلين على بحيرة النسيان؟
لما لا نناديهم ليشاركونا تعاسة مأوانا او ليجتمع شملنا ثانية
لنسترد ما تبقى منا في الجنة او نتحاشى مزيدا من الضياع في الجحيم؟
عن رواية "الفردوس المفقود" لجون ملتون

28 سبتمبر، 2016

صوت من العالم الاخر #1


تقديم:
السرد في ادب نجيب محفوظ له دلالة ومغزى. وتتماسك خيوط القصة، وتتشابك في اسلوب سلس. وينسج نجيب محفوظ القصة في خيوط متشابكة لا يترك اي علاقة بين الشخصيات تفلت من بين قلمه. في قصته "صوت من العالم الاخر" نجد الرمز. نجد ادوات التعبير عن رؤيته للموت، يمتزج فيها الوعى باللاوعي ، والاسطورة بالتاريخ، والرؤيا بالواقع. تجد نفسك ايها القارئ تسبح في خيالات رؤى لانهائية، مع انصهار في بوتقة الفكر والفلسفة، لان نجيب محفوظ كاتب وفيلسوف من الطراز الاول. تأثر نجيب محفوظ بالادباء العظام الذين سبقوه مثل تولستوي ، كما انه تأثر بالشخصيات الملهمة في ايامه ومن امثالهم الزعيم الهندي غاندي. وحينما سؤل عن غاندي قال: شخصية غاندي في العشرينات شغلت العالم كله واثارت دهشتي. كان شيئا اسطوريا ان ذلك الرجل الفقير الاعزل يواجه امبراطورية "لا تغرب عنها الشمس". اثناء عمله محاميا بجنوب افريقيا دفاعا عن مواطنيه المضطهدين هناك. ثم يعود الى الهتد ويستطيع ان يحقق معجزة التفاف الملايين حوله مؤمنين باسلوبه المدهش "نوال الحق بلا عنف" الى ان نالت الهند استقلالها عام 1947م.. ايضا يلتقي تولستوي وغاندي في مبدأ واحد، فكلاهما شغفا بحياة المسيح، ورأى كل منهما ان خلاصة الفكر الانساني وغاية ما ينتهي اليه البشر في محاولاتهم الوجدانية والروحية هو موعظة المسيح على الجبل، والتي قال فيها لاتباعه: "احبوا اعداءكم. باركوا لاعنيكم. صلوا لاجل الذين يطردونكم".
قصة - صوت من العالم الاخر:
يا الهي! ماذا يعوز هذا القبر من طيبات العالم الفانية؟ انه قطعة من قلب الحياة.. رباه! الا زلت اذكر هذا اليوم الذي فصل بين الحياة والموت؟ .. بلى، في ذلك اليوم غادرت قصر الامير قبل الغروب وكانت الشمس قد مالت عن الافق وبقايا من اشعتها تنتفض انتفاضة الاحتضار على صفحة النيل فاخذت طريقي المعهود الى بيتي الجميل.. ثم حدث ما ليس في الحسبان.. شعرت بألم شديد.. ما هذا الالم في العظام والمفاصل؟ ليس ما بي سببه جهد العمل فلطالما واصلت العمل بلا انقطاع، وثابرت وصبرت فغلبت الاعياء العزم .. اما هذا الالم المضني .. هذه الرعشة .. فطارئ جديد.. امتلأت منه رعبا. اخذت الطريق قلقا متأوها .. وعند عتبة البيت طالعتني زوجتي، رفيقة شبابي وام ابنائي وانيسة دربي، فهتفت بي في جزعشديد: 
- توني ايها المسكين مالك تنتفض .. ما لعينيك مظلمتين؟ فقلت لها مكتئبا:
- دثريني، واستدعي الطبيب بسرعة!
ثم هويت الى فراشي وحالا غرقت في ابخرة الحمى.. واشتد الدوار برأسي .. وسال بلساني الهذيان.. وشعرت بيد الموت تمتد الى قلبي.. ما اقساك ايها الموت! اراك تتقدم الى هدفك بقدمين ثابتتين، وقلب صخري.. لا تتعب ولا تسأم و لا ترحم.. لا تهزك الدموع ولا تستعطفك الامال.. تدوس حبات القلوب وتتخطى الاماني والاحلام .. لا زلت في السادسة والعشرين.. الا تسمع؟ ماذا يضيرك لو تركت انفاسي تتردد في صدري؟ دعني ريثما اشبع من الحياة الجميلة.. لم ازهد فيها بعد.. وليس فيها ما يسؤوني.. كانت الصحة طيبة والمال موفورا والامال كبارا.. ودار بخلدي اشياء لا حصر لها ولا حد لها بين مفاتن الماضي وسحر الحاضر واماني المستقبل.. وجرت امام حواسي الورود والحقول والمياه والسحاب والمأكل والاولاد والالحان والافكار .. والالقاب والفخر والجاه ..وتساءلت:
- ايمضي كل هذا الى الفناء؟
وانقبض صدري وامتلأت حزنا وكمدا وهتفت كل جوارحي:
- لا اريد ان اموت..؟
وتتابعت جحافل الليل فغالب النوم الصغار ولبثت زوجتي عند رأسي وامي عند رجليّ .. وانتصف الليل .. داخلني شعور غريب بالرهبة ، وتولاني احساس بالخوف.. واطبق السكون وانذر بشئ خطير.. ثم شعرت بيد امي تدلك قدمي وتقول بصوت متهدج:
- بني .. بنيّ!
وهتفت زوجتي المحبوبة:
- توني توني .. بماذا تشعر؟
لكنني لم استطع جوابا – لا شك ان امرا استثار جزعهما .. ترى ماذا يكون؟