10 أغسطس، 2016

قصاصات : العطر (2)


في الاول من ايلول كان الاحتفال بتتويج الملك في مدينة باريس التي اقامت احتفاءا بالمناسبة حفلة العاب نارية. لم تلفت نظر غرينوي الصواريخ المنطلقة في الفضاء. فكل ما كان يبرق ويتلألأ وينشر الشرر ويتفجر لم يخلف وراءه سوى خيط من روائح الكبريت والزيت وملح البارود. كان على وشك ان يترك الحفل الممل الى بيته عندما حملت اليه الريح شيئا ضئيلا يكاد لا يلحظ، شذرة، ذرة، رائحة طيبة، كان شيئا اقرب الى الاحساس الداخلي بالطيب منه الى الطيب الحقيقي.. تتبع مصدر الرائحة.. وبعد بضعة خطوات كان ضوء السماء المقمرة الخفيف قد ابتلعته المنازل الشاهقة، فتابع غرينوي طريقه في العتمة ، لم يكن بحاجة للرؤية، لان الرائحة كانت تقود خطاه. ليصل الى باحة وهنا تحت السقف كانت هناك طاولة عليها شمعة مضاء، والى هذه الطاول جلست فتاة تنظف البرقوق. كانت تتناول الثمار من سلة الى يسارها لتقشرها وتنزع البذور ثم تضعها في سطل بجانبها. لم تكن لتتجاوز الثالثة عشرة او الرابعة عشرة. ولبرهة من الزمان كان غرينوي في حالة اضطراب شديد. لم يدم حواسه طويلا. لقد شم الان انها بشر. هذه الرائحة كانت المبدأ الاعلى الذي يجب على الروائح الاخرى ان تصنف نفسها وفقه. اراد ان يدمغ هذا العطر الالهي في فوضى روحه السوداء، ان يتفحصه بمنتهى الدقة. توجه نحو الفتاة ببطء مقتربا اكثر فاكثر. وتوقف وراءها على مسافة خطوة واحدة. لم تسمعه. وقف غرينوي منحنيا فوقها ممتصا بانفه شذاها.. اما الفتاة فحين شعرت بها سرت القشعريرة في بدنها. لم تره بعينيها لكن احساسا بالرعب انتابها. تجمدت من الذعر عندما رأته وهو يمد يديه بهدوء ليحيط بهما عنقها. لم تحاول ان تصرخ او ان تتحرك او حتى ان تقاوم . اما هو فلم ينظر اليها لم ير وجهها الناعم الموشى بالنمش ولا عينيها الخضراوين. فقد اغلق عينيه باصرار وهو يخنقها، اذ لم يكن ثمة ما يقلقه سوى فقدان ذرة واحدة من شذاها.. عندما انتهى من تشممها حتى الثمالة بقى لبرهة يدور حولها محاولا استعادة ذاته المستغرقة فيها. ثم نهض ونفخ الشمعة فاطفأها. في الظلمة تشمم غرينوي طريقه الى الزقاق.
بعد ذلك بقليل تم اكتشاف الجثة واستدعيت دورية الحرس. اما غرينوي فكان على الضفة الاخرى من النهر. في تلك الليلة بدا له مأواه التعس كقصر. ذلك اليوم بالتحديد هو الذي جعله يدرك هويته الحقيقية، وان لحياته معنى ومقصدا وهدفا ومصيرا علويا. لقد وجد بوصلته الحقيقية، بوصلة حياته القادمة. وكسائر العباقرة مد سكة مستقيمة في فوضى الحياة. لم يبتعد غرينوي بعدها قيد انملة عن الاتجاه الذي اعتقد انه سيوصله الى مصيره. يجب ان يصبح مبدعا للروائح. بل اعظم عطار على مر الدهور.
في الليلة ذتها تفقد غرينوي اطلال ذاكرته، متابعا حملته التفقدية حتى في نومه. تفحص ملايين وملايين ادراج الروائح ، مرتبا ومصنفا اياها: الطيبة الى الطيبة، الرديئة الى الرديئة، الفاخرة الى الفاخرة. خلال الاسبوع التالي اصبح الترتيب اكثر دقة. كذلك صار تسلسلها اكثر وضوحا. وسرعان ما اضحى قادرا على تشييد اولى عماراته حسب النموذج الموضوع لها: المنازل، الاقبية، الغرف والحجرات السرية، قلعة لاروع الروائح، تتوسع وتزداد دقة وجمالا يوما بعد يوم.
لم يبد غرينوي ادنى اهتمام بالجريمة التي بدأت بها رحلة الروعة هذه، لقد نسى حتى شكل الفتاة، اذ ان افضل ما فيها محفوظ لديه، انه اصل شذاها.
في تلك الايام كان في باريس ما ينوف عن عشرة عطارين نصفهم كانوا على الضفة الشرقية للنهر والنصف الاخر في الضفة الاخرى. كان متجر بالديني على الجسر الذي يربط الضفتين. اما بالديني نفسه فكان يقف خلف المكتب المصنوع من خشب الزان الفاتح اللون، طاعنا في السن وجامدا كعمود اثري. كان العطر الذي يرش به نفسه يوميا يتشكل حوله كغمامة تكاد تكون منظورة.. ورغم ان كل بضاعته كانت من افخر الانواع الا ان اختلاط روائحها كان غير محتمل على الاطلاق تماما كمن يستم الى اوركسترا من الف عازف كل منهم يعزف لحنه الخاص، وباعلى طبقة ممكنة، بالديني ومعاونوه كانوا قد اعتادوا على هذا حتى زوجته التي كانت تسكن بالطابق الثالث لم تعد تنزعج من كثرة الروائح. اما الزبون الذي يدخل متجر بالديني للمرة الاولى فحاله مختلف لانه كان يتلقى خليط الروائح هذه كلكمة في وجهه وهي حسب لياقته البدنية – اما ان تثيره حتى التهيج او تدوخه وتتركه مضطربا، لكنها على اية حال كانت تنسيه سبب قدومه. السعاة كانوا ينسون طلباتهم اما السيدات فغالبا ما كن يصبن بحالة هستيرية تماثل الخوف من الاماكن المغلقة.
ان الابتكار بالنسبة له كان امرا مشكوكا في امره لانه كان يعني دائما خرق قانونا ما ..  في مطلع العشرينات حينما كان في بداية سلم مهنته يجوب الشوارع بصندوقه المحمول، كان بالكاد يدبر اموره المالية وهو يدور من منزل الى منزل مروجا لبضاعته.
ما جنون السرعة هذا! ما حاجة الانسان الى كل هذه الشوارع الجديدة التي تشق في كل مكان، والى كل هذه الجسور الجديدة؟! من هوة المستفيد من ذلك؟ ومن الذي سيأبه الى ذلك؟ وما جدوى ان تسرع كالمجنون في عبور الاطلسي لتصل الى امريكا؟ الم يكن البشر بخير ال ولالاف السنوات بدون هذه القارة! عما يبحث الانسان في غابات الهنود العذراء او عند الزنوج؟ لقد وصل الى هناك في الشمال في انتركتكتا في الجليد الابدي حيث يعيش بشر متوحشون يأكلون السمك النيئ. كما ارادوا اكتشاف قارة اخرى يقال انها في الجنوب في مكان لا بعرفه الا الله. ما سبب هذا الجنون؟ الاسبان والانجليز والبرتغاليون والهولنديون الوقحون. لسبب كهذا ستضطر بلادنا لخوض المعارك معهم، وهذا ما لا طاقة لنا عليه اطلاقا. السفينة الحربية تكلف ليس اقل من 3 الاف فرنك لتغرق الى الابد خلال خمس دقائق وبطلقة مدفع واحدة.
ان تعاسة الانسان تنشأ من كونه لا يريد ان يقبع ساكنا في غرفته ، هناك حيث يجب ان يبقى. هكذا يقول باسكال. باسكال كان رجلا عظيما لكن امثاله ما عادوا مرغوبين اليوم. فاليوم اصبح الناس يقرأون كتبا غثة او يكتبون بحوثا مختصرة يشككون فيها في كل شئ مهما كان زاعمين انه لم يعد ثمة ما هو صحيح!
لم يعد يكفي ان يقول المرء ان هذا هو هكذا، بل اصبح من الضروري البرهنة على كل شئ. ويفضل ان يكون هذا بالادلة والارقام وبنوع من التجارب السخيفة. ان بعض الكتاب قد تمكن من نقل اضطرابهم الداخلي وتلك الفوضى التي لا حدود لها والتي تعشش في رؤوسهم الى المجتمع كله. وان تدخلت الشرطة ذات مرة وسجنت احد هؤلاء الافاقين بدأ الناشرون بالعويل وبتقديم طلبات الاسترحام. حتى دردشة الصالونات لم يعد موضوعها سوى مسارات المذنبات والحملات الاستكشافية والقوة الرافعة ونيوتن وطول قطر الكرة الارضية. حتى الملك نفسه سمح بان يقدم امامه عرض مجنون لنوع من البرق الاصطناعي يسمى الكهرباء، لو كان جده الاول لويس حيا، هل كان سيسمح بمثل هذا العرض التافه امام ناظريه! لكن هذا هو روح العصر الجديد وستكون العاقبة وخيمة على مختلف الاصعدة.
عندما يصل الامور الى هذا الحد،- لا سمح الله! - لا حاجة للمرء ان يتعجب من انقلاب كل شئ رأسا على عقب..  ان القرن القادم سيكون قرن التفسخ والتردي الفكري والسياسي والديني الذي ستغرق فيه البشرية تحت بريق و زيف بعض ازهار المستنقعات..!
وقف بالديني العجوز عند النافذة مادا بصره باتجاه الشمس المائلة فوق النهر .. تحته ظهرت السفن والقوارب منسابة بهدوء .. ليس ثمة من يبحر هنا بعكس التيار.. كل شئ يسري مغادرا، كل شئ يجري بعيدا ، بهدوء، وباستمرار حتمية. شراء هذا البيت على الجسر كان غلطة .. واحس بالديني بانه هو وبيته وثروته التي جمعها تنجرف مع النهر، وبانه قد بلغ من العجز والضعف حدا لن يستطيع معه مقاومة هذا التيار الرهيب.
احيانا ، عندما كان لديه ما ينجزه على الضفة اليسرى، يتعمد ان يأخذ الطريق الاطول فوق جسر نوف الذي لم يكن معمورا بعد. وكان يقف حينئذ على الحاجز الايمن لينظر الى النهر مندفعا باتجاهه، وللحظات قصيرة كان يترك لخياله العنان ليتصور ان اتجاه حياته قد انعكس وان تجارته تزدهر وان ثروته تزداد يوما بعد يوم.
كان قارورة من عطر بيلسييه منتصبة امامه، والسائل الذهبي يتلألأ في نور الشمس صافيا دون عكر. هذا المزيج قد يشتمل على ثلاثة او ثلاثين مادة مختلفة مركبة مع بعضها وفق معدلات ونسب محددة وباحتمالات خلط لا تحصى. ادار سدادة القارورة قليلا ورفعها. خلال ذلك ابقى بالديني رلأسه بعيدا وفتحتى انفه مضغوطتين، فالعطر يجب ان يشم في حالة انتشاره مع الهواء وليس كمحلول مركز ابدا. نثر بعض القطرات على المنديل ثم حرك المنديل عبر الهواء ليطرد الكحول وقربه من انفه. عبّ نفسا عميقا وراح يزفره ببطء على دفعات كمن يصعد درجا طويلا. كان العطر كلاسيكيا ورغم ذلك كانت جدته مذهلة. كتن منعشا وليس مدوخا، فواحا وليس نفاذا. كان يمتلك دفئا رائعا معتدلا بغير تبرج او ابتذال.
"رائع.. رائع" له خاصية مرحة، محببة ، كلحن موسيقي، بل انه يعدل المزاج.. ما هذا الهراء، نمزاج معتدل!" قذف المنديل على الطاولة وكأنه خجل من الاعجاب بالعطر.
"انما انت يا بالديني فانه لن يضلك. للحظة عابرة فقط فاجأك الانطباع الذي خلّفه هذلا المركب العطري. ولكن هل يعلم المرء كيف ستكون رائحته بعد ساعة، عندما تطير مكوناته الاثيرية ولا يتبقى منها الجوهر؟ . القاعدة الثانية تقول بان العطر يعيش مع الزمن. كم من مرة خلطنا فكانت رائحة مزيجنا عند التجربة الاولى منعشة رائعة لتفوح منه بعد فترة قصيرة رائحة الفاكهة العطنة، ثم رائحة الزباد المقرفة. سنتشممه وكما ينزل الفأس الحاد على الحطبة ليجزئها الى قطع ، هكذا سيكون مفعول انفي في فصل اجزاء عطره عن بعضها البعض. انا بالديني سأنزع القناع عن سحنته.. سأقلده بمنتهى الدقة ، نسخة طبق الاصل لا لن اكتفي بهذا بل سأحسنه ، سأثبت له اخطاءه فاتداركها سأضع العطر بالصيغة الجديدة تحت انفه واقول له: يا بيليسيه انت اخرق انت متسلق متطفل على حرفة العطارين ولا شئ سوى ذلك.
فالى العمل يا بالديني.. اندفع عائدا الى طاولته. اخرج ورقا ومنديلا جديدا. رتب كل شئ في مكانه الصحيح وبدأ بعمله التحليلي. كان يمرر المنديل الجديد المحمل بقطرات العطر بسرعة تحت انفه ليلتقط من غمامة العطر هذا او ذاك المكون ثم يمد ذراعه ليدون على الورق اسم المكون الذي التقطه.. عمل لساعتين دون انقطاع وبمرور الوقت اصبحت حرلاكاته محمومة وكتابته على الورقةى كالخربشة.
ما عاد يشم اي شئ فقد خدرته المواد الاثيرية التي استنشقها، ولم يعد قادرا على تمييز ما ظن في بداية تجربته انه قد توصل الى حديد مكوناته بدقة. انه لن يتوصل الى معرفة تركيب هذا العطر. اليوم على الا قل لن يتوصل الى شئ ولا غدا عندما يرتاح انفه ان شاء الله.
 اعاد سدادة القارورة الى مكانها، وضع القلم من يده ومسح جبينه للمرة الاخيرة، ثم غابت الشمس. رأى هالة الشمس الحمراء القاتمة وراء اللوفر، ووفوق اسطح منازل باريس المائلة والنهر في الاسفل بعد خلوه من السفن تقريبا يبرق كالذهب، ومؤكد ان الريح قد خفت فهباتها كانت تصطدم بسطح الماء فيتلألأ هنا وهناك وكأنما هناك يد هائلة تنثر ملايين القطع الذهبية في الماء. وبدا اتجاه النهر للحظة وكأنما قد انعكس تيار هائل من الذهب الصافي يندفع نحوه.
كانت عينا بالديني دامعتين وحزينتين. وقف لبرهة ساكنا متأملا الصورة الرائعة. ثم فجأة دفع درفتي النافذة عن اخرهما ورمى قارورة بيليسييه بقوس واسع في الماء. رأى اصطدامها بالماء ممزقة للحظة البساط المائي المتلالئ.
اصبح جو الغرفة مقبضا. "لن ارسل احدا الى بيليسيه غدا" "لن افعلها. سأبيع بيتي ومتجري واشتري منزلا اخر في ايطاليا بسعر ارخص. هذا هو ما سأفعله وكفى".
اكتسى وجهه بملامح شاب معاند حرون، وفجأة احس بالسعادة تجتاحه. لقد عاد ثانية الى كونه بالديني العجوز الشاب الشجاع المصمم على مناطحة القدر – حتى لو كانت الهزيمة جلية. وان يكن! لم يكن امامه سوى ذلك. فهذا الزمن الغبي لم يترك لنا اي خيار اخر. "الرب يمنحنا ايام عسر وايام يسر، لكنه لا يريد منا في زمن العسر ان نندب وننعي بل ان نتصرف برجولة. ولقد اعطانا الرب اشارته فصورة المدينة المزيفة ، الذهبية الحمراء كالدم كانت تحذيرا. يعني ان عليك التصرف قبل فوات الاوان فالمنزل لا زال قائما وما زال بوسعك التوصل الى سعر مناسب لتجارتك المتدهورة. ان تقضي ما تبقى من عمرك في ميسينا بتواضع لم يكن هدف حياتك. لكنه اكثر احتراما واقرب الى مشيئة الله من ان تسقط من العلياء الى الحضيض في باريس.
***
 كان في هذه اللحظة فخورا بنفسه ومرتاحا بلا حدود واختفى تصلب الشيخوخة الذي كان يصلّب الرقبة ويحني الكتفين نحو الامام بحيث يبدو للمرء كالمستعطف. فانتصب قائما دون جهد. سيصعد الان ليخبر زوجته بالامر، وليعرج من ثم الى كاتدرائية نوتردام ليشعل شمعة حمدا للرب على هدايته وعلى القوة الخارقة التي بثها فيه.
ما كاد يصعد الى الطابق الثاني حتى سمع صوت الجرس. اصاخ السمع. صل الجرس مجددا. يبدو ان الخادمة لم تذهب لتفتح الباب . نزل بنفسه ليفتح الباب. سحب المزلاج وشرع الباب لكنه لم يرى احدا. ابتلع الظلام ضوء الشمعة التي بيده عن اخره ثم وبعد لحظات تبين وجود شبح ما، غلام او شاب..
"اريد ان اشتغل عندك ، ايها المعلم بالديني. هنا في محلك اريد ان اشتغل".
لم يكن في قوله هذا يستخدم نبرة الترجي بل الامر. لم يكن مخرج كلماته طبيعيا بل اشبه ما يكون بفحيح الافعى.
ابتسم بالديني في وجهه قائلا:
- "انت اجير دباغ يا بني. وانا لست بحاجة الى اجراء. لدي مساعد واحد وهو كاف".
- "امامك افضل انف في باريس"
- "الموهبة لا تساوي شيئا يا فتى. المهم هو الخبرة التي تكتسبها بتواضع وجهد".
- "اعطني عشر دقائق وسأجهز لك عطر بيلسييه. الان مباشرة. يا معلمي اعطني خمسة دقائق.
- "هه" صاح بالديني وهو يزفر كل ما في صدره من هواء دفعة واحدة. ثم عب نفسا عميقا ، اطال النظر وفكر. ما الغلط ان اتأكد بعيني مما اعرفه بنفسي؟ الامر كله غير ممكن ، وبعد كل ما يشير به عليّ عقلي اجد الامر مستحيلا. لكن المعجزات موجودة. وهذا ثابت لا شك. ان جاء يوم وانا في مسينا وانا على فرالش الموت وحضرتني فكرة اني وقفت ذات يوم امام معجزة وجها لوجه واغمضت عيني..؟ لن يكون الامر مريحا ابدا. فليعبث هذا المجنون بقطرات زيت الورد وصبغة المسك، ان كان عطر بيلسييه يهمك فعلا. فانت كنت ستهدرها بنفسك! وما قيمة بضع قطرات- كم تساوي بالقياس الى تأكد الانسان من ظنه واجتيازه عتبة الحياة براحة.
- " اسمع " قال بالديني بصوت يتصنع الزم. اسمع انا.. ولكن ما هو اسمك؟
- "غرينوي"
حسنا اسمع يا غينويي سأمنحك فرصة لتثبت زعمك .. وهي في الوقت نفسه فرصة ستتعلم منها بفشلك الزريع فضيلة التواضع التي لا تمتلكها بعد. بحكم صغر سنك. ولك العذر في ذلك. لكنها الشرط الذي لا مفر منها لمستقبلك المهني وكزوج وكمواطن صالح وكانسان وكمسيحي متدين انا مستعد لتزويدك بهذه الموعظة مجانا. فمزاجي ميال للكرم هذا المساء. لاسباب خاصة طبعا. ولكن اياك ان تظن انك قادر على خداعي واخرج منديلا من جيبه ملوحا به وقال:
"تقدم يا افضل انف في باريس. تقدم وارني ما تقدر عليه.
وفي لحظات كان العطر جاهز.. وضع غرينوي الزجاجة. سحب عن عنقها يده المبللة بالعطر. تراجع خطوة او اثنتين الى الوراء وهو يقول: "انه جاهز" وبينما كان يتكلم تضوع هواء الغرفة حوله بالعطر. ولعبق الرائحة الطيبة قدرة على الاقناع اقوى من الكلمات ونور العين والشعور والارادة. انها قدرة على الاقناع لا تقاوم. انها تتغلغل فينا كما يتغلغل الهواء في رئتينا انها تملؤها تتعشق فينا وليس من وسيلة لدرئها.
بدأ بالديني العظيم في جلسته صغيرا شاحبا وسخيفا وهو يمسك بيده منديله الصغير وقربه الى انفه بعد ان وضع قطرة من العطر عليه .. تشممه ثم ضغطه على انفه كفتاة اصابها الزكام. وهو يقول "غير معقول" عدة مرات.. ثم كمن افقده العطر القدرة على الكلام لم تعد تصدر منه كلمة "غير معقول" بل فقط "همم همم.. "
اقترب غرينوي وهو يقول "انه عطر ردئ"
"اعطني فرصة لاحسّنه . دقيقة واحدة."
كان العطر بالغ الروعة لدرجة ان اغرورقت عينا بالديني بالدموع. اغلق عينيه تاركا العنان لذكريات باهرة. لم يكن هذا العطر كالعطور التي عرفها الانسان حتى الان. انه شئ جديد كل الجدة. عالم قائم بنفسه. عالم سحري. ينسي المرء كل القرف المحيط به ويجعله يشعر بالغنى والارتياح والانعتاق والسعادة.
عندما جلس مع زوجته للطعام في الطابق العلوي لم يفه بكلمة ولم يذكر لها قراره النهائي الحاسم الذي اتخذه بعد الظهر.
***
عاد الى حانة حيث جرع زجاجتى نبيذ اخريين ثم انتقل عند الظهر الى حانة الاسد الذهبي حيث اخذ يسكر بلا حدود لدرجة انه في وقت متأخر من الليل عندما اراد العودة الى حانة برج المال ظن ان شارع "نوتن هو شارع "جفرو" وبدلا من ان يصل مباشرة الى "جسر ماري" كما كان يأمل ساقه قدره المحتوم الى رصيف شجرة الدردار حيث سقط بطوله ووجهه يتقدمه في الماء كمن يرتمي على سرير مريح . مات من فوره . اما النهر فقد احتاج لمدة اطول بكثير ليبعده عن الضفة الضحلة متجاوزا به سفن الشحن الراسية.
كان لدى بالديني مشروعا حمله بين جنباته كالمرأة الحبلى، تواقا لولادته. كان هذا المشروع هو انشاء مصنعا للعطور .
***
كان ضوء القمر الذي يجهل الالوان ويرسم معالم الارض دون تزويق ضوء القمر الذي يجلل الارض بلونه الرمادي الوسخ ويخنق الحياة ولو لليلة. هذا العالم المسكوب كالرصاص، الذي لا تتحرك فيه سوى الريح التي تغطي الغابات الرمادية التي تبدو احيانا كالظل، هذا العالم الذي لا يحيا فيه سوى روائح الارض الجرداء هذا العالم وحده هو الذي كان يعترف به لانه يشبه عالم روحه.
انقضى اسبوع دون ان يقابل اي انسان وكاد ان يقتنع بانه الوحيد على هذه الارض المعتمة التي لا ينيرها سوى ضوء القمر البارد.
عندما اشرقت الشمس كان غرينوي لا يزال في البقعة نفسها رافعا انفه في الهواء محاولا بجهد اليائس التقاط الاتجاه الذي يتهدده منه خطر البشر، والاتجاه المعاكس الذي عليه متابعة فراره فيه. في كل اتجاه كان يرتاب .. لكنه لم يجد شيئا. ل يكن هناك سوى السكون في كل مكان سيطرت رائحة متجانسة صادرة عن الصخر الميت والنتوءات المكشرة والعشب الجاف تهف كنسمة خفيفة ولا شئ سواها.
احتاج غرينوي لفترة طويلة كي يصدق ما يراه. لم يكن جاهزا بعد لسعادته. لذا طالت مقاومة شكوكه لعقله. وعند الغروب بدأت شكوكه تتراجع مفسة المجال امام احساس متعاظم بالنشوة: فلقد افلت. انه وحده في العالم. وحيد تماما.
تصاعدت من اعماقه فرحة هائلة. كفرحة من نجا من سفينة غارقة فرأى جزيرة مأهولة بعد اسابيع طويلة من الضياع في البحر. هكذا كانت فرحة غرينوي بالوصول الى جبل الوحدة. صرخ من فرط السعادة. اخذ يخبط بقدميه، رافعا ذراعيه، راقصا دائرا حول نفسه، صائحا باسمه في الجهات الاربع. ضاما قبضتيه هازا اياهما بحماس في وجه الارض الشاسعة الممتدة تحته وفي جو الشمس الغاربة بانتصار، وكأنه هو الذي طردها من السماء، ظل هكذا يتصرف كالمجنون حتى انتصف الليل مقتنعا بأنه لن يغادر هذا المكان المبارك ابدا.
في اليوم التالي بدأ بالبحث عن الماء، ووجده في شق صخرة تحت القمة بمسافة قليلة، ينساب كشريط رفيع على الصخر. لم يكن كافيا لكنه اذا استمر في لعقه لساعة من الزمن فسيشبع حاجته منه ليوم كامل. كما وجد الغذاء ايضا كالعشب والتوت البري. اكتشف بالقرب من مكان الماء نفقا طبيعيا يؤدي بعد عدة انعطافات كثيرة الى فسحة ترابية ضيقة. لامس كتفا غرينوي الصخر الى الجانبين، بوسعه ان تكور على نفسه ان يستلقي وفي هذا كان اقصى مبتغاه فيما يخص الراحة والنوم. استلقى في اكثر الجبال وحشة ووحدة. على عمق ثلاثين مترا تحت السطح استلقى كمن يرقد في قبره الخاص. لم يسبق له في حياته ان شعر بالامان كالان. ولا حتى في بطن امه. لو احترق العالم في الخارج فانه هنا لن يلاحظ ذلك. اخذ يبكي بصمت. كان ممتنا الى اقصى حد لهذه السعاة التي تغمر.
معروف ان هناك اناسا يبحثون عن الوحدة كالقديسين والتائبين. وهم غالبا م ينسحبون الى الصحراء حيث يقتاتون الجراد والعسل البري. بعضهم يعيش في المغاير او الصوامع او في جزر نائية او على اعمدة صخرية. وهم يفعلون ذلمك ليمكونوا اقرب الى الله. بالوحدة يزهدون في رغباتهم ويحققون التوبة ، منطلقين في ذلك من اعتقادهم بانهم هكذا لا ينشغلون عن الله بشئ سواه.
لا شئ من ذلك يشغل غرينوي فهو ليس تائبا ولا قديسا ، فقط لمتعته الذاتية الخاصة اعتزل العالم كي يكون بقرب نفسه. كان يستلقي في مقامه الصخري، يكاد لا يتنفس، ويكاد قلبه لا ينبض، حيا بعمق، منغمسا في تأملاته او بالاحرى تخيلاته ما ينوف عن العشرين ساعة كل يوم ، كما لم يسبق لاحد ان عاش.
ولم يكن مسرح هذه التخيلات الطليقة بطبيعة الحال سوى مملكته الداخلية . كم كان لذة الشعور بالارهاق الناتج عن الانجاز.

عن رواية العطر - قصة قاتل

ليست هناك تعليقات: